العلم أبو عيسى الترمذي، ثقة، مُجمع عليه، ولا اِلتِفَات إلى قول أبي محمد بن حَزْم فيه أنه مجهول، فإنه ما عرفه ولا دَرَى بوجود "الجامع" ولا "العِلَل" اللذَين له" (١) .
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمته: "كان واسع الحفظ جدًّا، إلَاّ أنّه لِثِقَتِهِ بِحَافِظَتِه كان يَهجم على القول في التعديل والتجريح، وتبيين أسماء الرواة فيقع له من ذلك أوْهام شنيعة" (٢) .
وجملة القول: أنّ الحارث -رحمه الله- ثقة، معروف، ولا يَضِيره قَوْل من ضعّفه، كما عَلِمت آنفًا، ولا قَوْل من جهله.
قال الحافظ الذهبي في ترجمة الحارث: "لا بأس بالرجل، وأحاديثه على الاستقامة ... وذَنْبه أنه أخَذ على الرواية -يعني أجْرًا- فلعله وهو الظاهر أنّه كان محتاجًا، فلا ضير" (٣) .
كانت سُنَّة المُحدِّثين الرحلة في طلب الحديث تَحقيقًا لفوائد وأهداف سامية (٤) ، وقد بدأت الرحلة في زمن الصحابة -رضوان الله عليهم-، ونشطت في القرن الثالث أكثر من ذي قَبل حِرْصًا على جَمع الحديث من علماء الأمصار المختلفة.
(١) ميزان الاعتدال (٣/ ٦٧٨) . وانظر: "نقد ابن حزم للرواة في المحلى في ميزان الجرح والتعديل (٣/ ٧٨٧) .
(٢) لسان الميزان (٤/ ١٩٨) .
(٣) السير (١٣/ ٣٨٩) بتصرف يسير.
(٤) انظر للرحلة وآدابها، وآثار عن السلف في ذلك: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٢٣) ، وللخطيب البغدادي أيضًا كتاب: الرحلة في طلب الحديث، وهو مطبوع.