اسْتَدَلُّوا بِالْإِجْمَاعِ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ:"إنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما قَبِلَا الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ. فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا. وَقَدْ ثَبَتَ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيُهَوِّدْهُمْ كَانُوا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ فِيهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُمْ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْعَرَبِ. وَقَدْ نَسَبَ الطَّبَرِيُّ هَذَا الْمَذْهَبَ إلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ."
28 -وَالْمَجُوسُ هُمْ عَبَدَةُ النَّارِ الْقَائِلُونَ أَنَّ لِلْعَالَمِ أَصْلَيْنِ اثْنَيْنِ مُدَبِّرَيْنِ، يَقْتَسِمَانِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالنَّفْعَ وَالضَّرَّ، وَالصَّلَاحَ وَالْفَسَادَ، أَحَدُهُمَا النُّورُ، وَالْآخَرُ الظُّلْمَةُ. وَفِي الْفَارِسِيَّةِ"يزدان""وَأَهْرَمَن". وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ الْمَجُوسِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا.
29 -وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبِلَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ أَوْ الْبَحْرَيْنِ. رَوَى ابْنُ زَنْجُوَيْهِ - بِسَنَدِهِ - إلَى الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: {كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ. فَمَنْ أَسْلَمَ قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَأَنْ لَا يُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ، وَلَا تُنْكَحَ لَهُمْ امْرَأَةٌ} . وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ {أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ أَنِّي لَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ} . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مِنْ الْكَلَامِ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ فَقَطْ، أَيْ
(1) الموسوعة الفقهية (ج 2 / ص 5313)