وقال ابن النحاس رحمه الله [1] : (اعلم أن جهاد الكفار في بلادهم فرض كفاية باتفاق العلماء ... وأقل الجهاد في كل سنة مرة، والزيادة أًفضل بلا خلاف، ولا يجوز إخلاء سنة من غزو، إلا لضرورة كضعف المسلمين [2] ، وكثرة العدو وخوف الاستئصال لو ابتدءوهم، أو لعذر كعزة الزاد، وقلة علف الدواب، ونحو ذلك، فإن لم تكن ضرورة ولا عذر لم يجز تأخير الغزو سنة، نص عليه الشافعي رحمه اللّه وأصحابه، وقال إمام الحرمين الجويني: المختار عندي مسلك الأصوليين، قالوا: الجهاد دعوة قهرية، ولذلك تجب إقامته حسب الإمكان، حتى لا يبقى في الأرض إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص الجهاد بمرة في السنة، ولا يُعَطّل إذا أمْكَنَتْ الزيادة) .
وقال ابن حجر رحمه الله شارحًا لحديث الصحيحين عن المقداد بن عمرو الكندي أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تقتله"فقال: يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" [3] : (قوله:"وأنت بمنزلته قبل أن يقول"قال الخطابي: معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم، فإذا أسلم صار مصان الدم كالمسلم، فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحًا بحق القصاص
(1) 2 مشارع الأشواق (1/ 26 - 27) .
(2) 3 يصير واجب المسلمين عند ضَعْفهم الإعدادَ القتالي، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(3) 4 فتح الباري (12/ 189) .