حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا. وقول الله في براءة: فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حيْثُ وَجَدْتْموهُمْ غير ناف حكمه حكم قوله: وَإنْ جَنَحُوا للسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا لأن قوله: وَإنْ جَنَحُوا للسّلْمِ إنّمَا عُني به بنو قريظة، وكانوا يهودا أهل كتاب، وقد أذن الله جلّ ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم. وأما قوله: فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حيْثُ وَجَدْتْموهُمْ فإنما عني به مشركو العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الاَيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه.
الآية: 29 القول في تأويل قوله تعالى: ... {قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرّمُونَ مَا حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتّىَ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم: قاتِلُوا أيها المؤمنون القوم الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ باللّهِ وَلا بالْيَوْمِ الاَخِرِ يقول: ولا يصدّقون بجنة ولا نار، وَلا يُحَرّمُونَ ما حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينونَ دِينَ الحَقّ يقول: ولا يطيعون الله طاعة الحقّ، يعني: أنهم لا يطيعون طاعة أهل الإسلام مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وهم اليهود والنصارى، وكل مطيع ملكا أو ذا سلطان، فهو دائن له، يقال منه: دان فلان لفلان فهو يدين له دينا، قال زهير: لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوَ فِي بَنِي أسَدٍفِي دِينَ عَمْروٍ وَحالَتْ بيْنَنا فَدَكُ
وقوله: مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يعني: الذين أعطوا كتاب الله، وهم أهل التوراة والإنجيل. حتى يُعُطُوا الجِزْيَةَ والجزية: الفعلة من جَزَى فلان فلانا ما عليه: إذا قضاه، يجزيه. والجزية مثل القِعْدة والجِلْسة.