فهرس الكتاب

الصفحة 824 من 865

لأن الاشتغال بقتال من بعد منهم مع ترك قتال من قرب لا يؤمن معه هجم من قرب على ذراري المسلمين ونسائهم وبلادهم إذا خلت من المجاهدين، فلذلك أمر بقتال من قرب قبل قتال من بعد، وأيضًا لا يصح تكليف قتال الأبعد ; إذ لا حد للأبعد يبتدأ منه القتال كما للأقرب، وأيضًا فغير ممكن الوصول إلى قتال الأبعد إلا بعد قتال من قرب وقهرهم وإذلالهم فهذه الوجوه كلها تقتضي تخصيص الأمر بقتال الأقرب).

وقال القرطبي رحمه الله [1] : (وذلك أن المقصود أولًا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة وذلك باق متماد إلى يوم القيامة ممتد إلى غاية هي قوله عليه السلام:"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم"وقيل غايته نزول عيسى بن مريم عليه السلام وهو موافق للحديث الذي قبله لأن نزوله من أشراط الساعة) [2] .

وقال ابن قدامة رحمه الله [3] : (ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو والأصل في هذا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ} ولأن الأقرب أكثر ضررًا، وفي قتاله دفع ضرره عن المقابل له، وعمن وراءه، والاشتغال بالبعيد عنه، يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين ; لاشتغالهم عنه، قيل لأحمد: يحكون عن ابن المبارك أنه قيل له: تركت قتال العدو عندك، وجئت إلى هاهنا؟ قال: هؤلاء أهل الكتاب، فقال أبو عبد الله: سبحان الله، ما أدري ما هذا القول، يترك العدو

(1) 2 جامع أحكام القرآن (2/ 35.) .

(2) 3 سبق الجمع بين هذين الحديثين في الحلقة الماضية ولله الحمد.

(3) 1 المغني (9/ 166) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت