ج - إذَا اسْتَنْفَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا لَزِمَهُمْ النَّفِيرُ مَعَهُ إلَّا مَنْ لَهُ عُذْرٌ قَاطِعٌ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاع الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا} وَذَلِكَ لِأَنَّ أَمْرَ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ وَلَوْ لِصَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَالِ أَوْ امْرَأَةٍ، وَتَعْيِينُ الْإِمَامِ إلْجَاؤُهُ إلَيْهِ وَجَبْرُهُ عَلَيْهِ، كَمَا يَلْزَمُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ حَالِهِ، لَا بِمَعْنَى عِقَابِهِ عَلَى تَرْكِهِ، فَلَا يُقَالُ: إنَّ تَوَجُّهَ الْوُجُوبِ لِلصَّبِيِّ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ
أ - (إذْنُ الْوَالِدَيْنِ) :
11 -لَا يَجُوزُ الْجِهَادُ إلَّا بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، أَوْ بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا إنْ كَانَ الْآخَرُ كَافِرًا، إلَّا إذَا تَعَيَّنَ، كَأَنْ يَنْزِلَ الْعَدُوُّ بِقَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يُمْكِنُهُ إعَانَتُهُمْ أَنْ يَقْصِدَهُمْ مُغِيثًا لَهُمْ، أَذِنَ الْأَبَوَانِ أَمْ لَمْ يَاذَنَا، إلَّا أَنْ يَضِيعَا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَهُ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَرْكُ مَنْ يَضِيعُ مِنْهُمَا ; لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: {جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَاذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: أَحَيٌّ وَالِدَاك؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ} . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِهَادِ. وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ يَنُوبُ عَنْهُ غَيْرُهُ فِيهِ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلِهَذَا قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَغْزُوَ الرُّومَ، وَإِنَّ أَبَوَيَّ مَنَعَانِي، فَقَالَ:"أَطِعْ أَبَوَيْك فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا"
(1) الموسوعة الفقهية (ج 2 / ص 5588)