فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 865

غَيْرَك". وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهما، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَبَوَانِ كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِمَا ; لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانُوا يُجَاهِدُونَ، وَفِيهِمْ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ كَافِرَانِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُوهُ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ. وَلِأَنَّ الْكَافِرَ مُتَّهَمٌ فِي الدِّينِ بِالْمَنْعِ مِنْ الْجِهَادِ لِمَظِنَّتِهِ قَصْدَ تَوْهِينِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا إذَا كَرِهَ خُرُوجَهُ مَخَافَةً وَمَشَقَّةً، وَأَمَّا إذَا كَانَ لِكَرَاهَةِ قِتَالِ أَهْلِ دِينِهِ فَلَا يُطِيعُهُ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. إذْ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا مُحْتَاجًا إلَى خِدْمَتِهِ فُرِضَتْ عَلَيْهِ وَلَوْ كَافِرًا، وَلَيْسَ مِنْ الصَّوَابِ تَرْكُ فَرْضِ عَيْنٍ لِيُتَوَصَّلَ إلَى فَرْضِ كِفَايَةٍ، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبَوَانِ وَلَهُ جَدٌّ أَوْ جَدَّةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِمَا ; لِأَنَّهُمَا كَأَبَوَيْنِ فِي الْبِرِّ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ جَدُّهُ لِأَبِيهِ وَجَدَّتُهُ لِأُمِّهِ، وَلَمْ يَاذَنْ لَهُ أَبُو الْأُمِّ وَأُمُّ الْأَبِ، فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَا بَاسَ بِخُرُوجِهِ ; لِقِيَامِ أَبِي الْأَبِ وَأُمِّ الْأُمِّ مَقَامَ الْأَبِ وَالْأُمِّ عِنْدَ فَقْدِهِمَا، وَالْآخَرَانِ كَبَاقِي الْأَجَانِبِ إلَّا إذَا عُدِمَ الْأَوَّلَانِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوْ أُمٌّ وَجَدَّةٌ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ رَايٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُ الْجَدِّ مَعَ الْأَبِ، وَاسْتِئْذَانُ الْجَدَّةِ مَعَ الْأُمِّ، لِأَنَّ وُجُودَ الْأَبَوَيْنِ لَا يُسْقِطُ بِرَّ الْجَدَّيْنِ، وَلَا يُنْقِصُ شَفَقَتَهُمَا عَلَيْهِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ الْأَبَ وَالْأُمَّ يَحْجُبَانِ الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ عَنْ الْوِلَايَةِ وَالْحَضَانَةِ. وَإِنَّمَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُ الْأَبَوَيْنِ فِي الْجِهَادِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، وَلَكِنْ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ فَلَا إذْنَ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهُ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ، وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ، وَلَا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت