والعدوان يكون بتجاوز المحاربين المعتدين إلى غير المحاربين من الآمنين المسالمين الذين لا يشكلون خطرا على الدعوة الإسلامية ولا على الجماعة المسلمة، كالنساء والأطفال والشيوخ والعباد المنقطعين للعبادة من أهل كل ملة ودين. . كما يكون بتجاوز آداب القتال التي شرعها الإسلام، ووضع بها حدا للشناعات التي عرفتها حروب الجاهليات الغابرة والحاضرة على السواء. . تلك الشناعات التي ينفر منها حس الإسلام، وتأباها تقوى الإسلام.
وقال القرطبي رحمه الله: الآية: 19. {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [1]
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا} هذه الآية أوّل آية نزلت في الأمر بالقتال؛ ولا خلاف في أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة بقوله: {ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34] وقوله: {فاعف عَنْهُمْ واصفح} [المائدة: 13] وقوله: {واهجرهم هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 1.] وقولِه: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمصَيْطِرٍ} [الغاسية: 22] وما كان مثله مما نزل بمكة. فلما هاجر إلى المدينة أُمِر بالقتال فنزل: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ} قاله الربيع بن أنس وغيره. وروي عن أبي بكر الصدّيق أن أوّل آية نزلت في القتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] . والأوّل أكثر، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامّةً لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين؛ وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعُمْرة، فلما نزل الحُدَيْبِيَة بقُرب مكة والحُدَيْبِيَةُ اسم بئر، فسُميَ ذلك الموضع باسم تلك البئر فصدّه المشركون عن البيت، وأقام بالحُدَيْبِيَة شهرًا،
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 519)