فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 865

باعتناقه، ولا بالخضوع لمنهج الله، اللهم إلا بكلمة أو نشرة أو بيان! أما القوة المادية - الممثلة في سلطان الجاهلية على الناس - فليس للإسلام أن يهاجمها إلا أن تهاجمه، فيتحرك حينئذ للدفاع!

ولو أراد هؤلاء المهزومون روحيًا وعقليًا أمام ضغط الواقع الحاضر، أن يلتمسوا في أحكام دينهم ما يواجه هذا الواقع - دون ليّ لأعناق النصوص - لوجدوا فيه هذه الواقعية الحركية في أحكامه وتصرفاته المرحلية التي كان يواجه بها ضغط الواقع المشابه لما نواجهه نحن اليوم ; ولاستطاعوا أن يقولوا: إنه في مثل هذه الحال كان الإسلام يتصرف على هذا النحو، ولكن هذه ليست هي القواعد الدائمة ; إنما هي الأحكام والتصرفات التي تواجه الضرورة.

وقال الجصاص رحمه الله:[1]

بَابُ الْهُدْنَةِ وَالْمُوَادَعَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} وَالْجُنُوحُ الْمَيْلُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: جَنَحَتْ السَّفِينَةُ إذَا مَالَتْ، وَالسَّلْمُ الْمُسَالَمَةُ. وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُمْ إنْ مَالُوا إلَى الْمُسَالَمَةِ، وَهِيَ طَلَبُ السَّلَامَةِ مِنْ الْحَرْبِ، فَسَالِمْهُمْ وَاقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ. وَإِنَّمَا قَالَ: {فَاجْنَحْ لَهَا} لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْمُسَالَمَةِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي بَقَاءِ هَذَا الْحُكْمِ، فَرَوَى سَعِيدٌ وَمَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ. وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} قَالَ: نَسَخَتْهَا {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلَى قَوْلِهِ {وَهُمْ صَاغِرُونَ} وَقَالَ آخَرُونَ: {لَا نَسْخَ فِيهَا لِأَنَّهَا فِي مُوَادَعَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} فِي عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَاهَدَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَصْنَافًا مِنْ

(1) أحكام القرآن للجصاص - (ج 6 / ص 418)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت