صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يُقِرَّهُمْ مَا أَقَرَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا يَصِحُّ هَذَا، فَإِنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ نَقْضِهِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ أَهْلِ خَيْبَرَ هُدْنَةٌ، فَإِنَّهُ فَتَحَهَا عَنْوَةً، وَإِنَّمَا سَاقَاهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِهُدْنَةٍ اتِّفَاقًا، وَقَدْ وَافَقُوا الْجَمَاعَةَ فِي أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ أَنِّي أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ. لَمْ يَصِحَّ فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنْهُمْ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، مَعَ إجْمَاعِهِمْ مَعَ غَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ، (7591) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الْهُدْنَةِ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مَعْلُومَةٍ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ مُدَّةُ الْعَشْرِ {لِمُصَالَحَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرًا} ، فَفِيمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ. فَعَلَى هَذَا، إنْ زَادَ الْمُدَّةَ عَلَى عَشْرٍ، بَطَلَ فِي الزِّيَادَةِ. وَهَلْ تَبْطُلُ فِي الْعَشْرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشْرٍ، عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ فِي الْعَشْرِ، فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَالْعَامُّ مَخْصُوصٌ فِي الْعَشْرِ لِمَعْنًى مَوْجُودٍ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَهُوَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الصُّلْحِ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي الْحَرْبِ
الْخَامِسُ فِي: الْمُهَادَنَةِ وَهِيَ: الْمُعَاقَدَةُ عَلَى تَرْكِ الْحَرْبِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً. وَهِيَ جَائِزَةٌ إذَا تَضَمَّنَتْ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ، إمَّا لِقِلَّتِهِمْ عَنْ الْمُقَاوَمَةِ، أَوْ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِظْهَارُ، أَوْ لِرَجَاءِ الدُّخُولِ فِي
(1) جامع الفقه الإسلامي