بالتربية الخلقية وتغذية الروح وجحود بما جاءت به الرسل، وبإمعانها في المادية، وبقوتها الهائلة مع فقدان الوازع الديني، والحاجز الخلقي، أصبحت فيلًا هائجًا، يدوس الضعيف، ويهلك الحرث والنسل، وبانسحاب المسلمين من ميدان الحياة وتنازلهم عن قيادة العالم وإمامة الأمة، وبتفريطهم في الدين والدنيا، وجنايتهم على أنفسهم وعلى بني نوعهم، أخذت أوربا بناصية الأمم، وخلفتهم في قيادة العالم، وتسيير سفينة الحياة والمدنية التي اعتزل ربَّانُها، وبذلك أصبح العالم كله - بأممه وشعوبه ومدنياته - قطارًا سريعًا تسير به قاطرة الجاهلية والمادية إلى غايتها، وأصبح المسلمون - كغيرهم من الأمم - ركابًا لا يملكون من أمرهم شيئًا، وكلما تقدمت أوربا في القوة والسرعة، وكلما ازدادت وسائلها ووسائطها، ازداد هذا القطار البشري سرعة إلى الغاية الجاهلية حيث النار والدمار والاضطراب والتناحر والفوضى الاجتماعي والانحطاط الخلقي والقلق الاقتصادي والإفلاس الروحي، وها هي أوربا تستبطئ الآن أسرع قطار، وتريد أن تصل إلى غايتها بسرعة الطائرة بل بسرعة القوة الذرية.
وليس على وجه الأرض اليوم أمة أو جماعة تخالف الأمم الغربية في عقائدها ونظرياتها وتزاحمها في سيرها وتعارضها في وجهتها وتناقشها في مبادئها وفلسفتها الجاهلية، ونظام حياتها المادي لا في أوربا ولا في أمريكا، ولا في أفريقية وآسيا، والذي نرى ونسمع من خلاف سياسي ونزاع بين الأمم فإنما هو تنافس في القيادة، وتنازع فيمن يكون هو القائد إلى هذه الغاية المشتركة، فدل المحور إنما كانت تكره أن يبقى الحلفاء مستبدين بالقيادة العالمية منذ زمن طويل، مستأثرين بموارد الأرض وخيرتها وأسواقها ومستعمراتها، وبشرف السيادة على العالم وحدهم مع أنها لا تقل عنهم في القوة