وَقَالَ صَاحِبُ رَوْضِ الطَّالِبِ: الْأَصْلُ فِيهَا - قَبْلَ الْإِجْمَاعِ - قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وَقَوْلُهُ: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} . {وَمُهَادَنَتُهُ صلى الله عليه وسلم قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ} وَهِيَ جَائِزَةٌ لَا وَاجِبَةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِزَّةٍ وَمَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ وَجَمَاعَةٍ عَدِيدَةٍ وَشِدَّةٍ شَدِيدَةٍ فَلَا صُلْحَ. وَإِنْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ فِي الصُّلْحِ لِنَفْعٍ يَجْتَلِبُونَهُ، أَوْ ضَرَرٍ يَدْفَعُونَهُ فَلَا بَاسَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُسْلِمُونَ إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ. وَقَدْ {صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شُرُوطٍ نَقَضُوهَا فَنُقِضَ صُلْحُهُمْ فِي عَهْدِ عُمَرَ وَقَدْ صَالَحَ الضَّمْرِيَّ، وَأُكَيْدِرَ دَوْمَةَ - وَأَهْلَ نَجْرَانَ وَقَدْ هَادَنَ قُرَيْشًا لِعَشْرَةِ أَعْوَامٍ حَتَّى نَقَضُوا عَهْدَهُ} . وَمَا زَالَتْ الْخُلَفَاءُ وَالصَّحَابَةُ رضي الله عنهم عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيلِ (هُدْنَةٌ، صُلْحٌ، وَمُعَاهَدَةٌ) .
11 -الدَّعْوَةُ إلَى السِّلْمِ مَعَ الْكُفَّارِ وَمُوَادَعَتِهِمْ وَمُهَادَنَتِهِمْ مِنْ قِبَلِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ جَائِزَةٌ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا رَأَى أَنْ يُصَالِحَ أَهْلَ الْحَرْبِ أَوْ فَرِيقًا مِنْهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَاسَ بِهِ لقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} {وَوَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَضَعَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ} ; وَلِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ جِهَادٌ مَعْنًى إذَا كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ دَفْعُ الشَّرِّ حَاصِلٌ بِهِمَا، وَلَا يَقْتَصِرُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَرْوِيَّةِ لِتَعَدِّي الْمَعْنَى إلَى مَا زَادَ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمُوَادَعَةُ خَيْرًا ; لِأَنَّهَا تَرْكُ الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِنْ صَالَحَهُمْ مُدَّةً ثُمَّ رَأَى نَقْضَ الصُّلْحِ أَنْفَعَ نَبَذَ إلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ ; لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لَمَّا تَبَدَّلَتْ كَانَ النَّبْذُ جِهَادًا، وَإِيفَاءُ الْعَهْدِ
(1) الموسوعة الفقهية (ج 2 / ص 8894)