عنده، ويجيء إلى هاهنا، أفيكون هذا، أويستقيم هذا، وقد قال الله تعالى {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ} لو أن أهل خراسان كلهم عملوا على هذا، لم يجاهد الترك أحد، وهذا والله أعلم إنما فعله ابن المبارك لكونه متبرعًا بالجهاد، والكفاية حاصلة بغيره من أهل الديوان وأجناد المسلمين، والمتبرع له ترك الجهاد بالكلية، فكان له أن يجاهد حيث شاء، ومع من شاء؛ إذا ثبت هذا، فإن كان له عذر في البداية بالأبعد ; لكونه أخوف، أو لمصلحة في البداية به لقربه وإمكان الفرصة منه، أو لكون الأقرب مهادنًا، أو يمنع من قتاله مانع، فلا بأس بالبداية بالأبعد، لكونه موضع حاجة).
وقال ابن كثير رحمه الله [1] : (أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام ولهذا بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتال المشركين في جزيرة العرب فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضرموت وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا شرع في قتال أهل الكتاب فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لأنهم أهل الكتاب فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال وذلك سنة تسع من هجرته عليه السلام ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع ثم عاجلته المنية صلوات الله وسلامه عليه بعد حجته بأحد وثمانين يوما فاختاره الله لما عنده وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل فثبته الله تعالى به فوطد القواعد وثبت الدعائم ورد شارد الدين وهو راغم ورد أهل الردة إلى الإسلام وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام وبين الحق لمن جهله وأدى عن الرسول ما حمله ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان وإلى الفرس عبدة النيران
(1) 2 تفسير القرآن العظيم (2/ 4.3) .