مُسْلِمًا، لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ رَجَّحْنَا الْإِسْلَامَ فِي الْحَالَيْنِ لِأَنَّهُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَكَأَنَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ شَرْطُ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَ أَهْلِ أُصُولِ الْفِقْهِ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْإِقْرَارَ رُكْنًا انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ كَيْفَ يَكُونُ إشَارَةً إلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ مَعَ تَمْشِيَتِهِ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا، بَلْ تَمْشِيَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي أَظْهَرُ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إذَا كَانَ رُكْنًا مِنْ الْإِيمَانِ كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ آتِيًا بِأَحَدِ رُكْنَيْهِ فَيَظْهَرُ وَجْهُ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَحَقَّقَ أَحَدُ رُكْنَيْ الْإِسْلَامِ مَعَ عَدَمِ الْجَزْمِ بِانْتِفَاءِ الْآخَرِ حَكَمْنَا بِوُجُودِ الْإِسْلَامِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقَ وَكَانَ الْإِقْرَارُ شَرْطًا لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ شَيْءٌ مِنْ رُكْنَيْ الْإِيمَانِ فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمُتَحَقِّقُ فِيهِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ، فَوَجْهُ الْحُكْمِ بِالْإِسْلَامِ بِمُجَرَّدِ تَحَقُّقِ مَا هُوَ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِهِ لَا يَظْهَرُ ظُهُورَهُ فِي الْأَوَّلِ. لَا يُقَالُ: كَيْفَ يَتَمَشَّى مَا فِي الْكِتَابِ عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الرِّدَّةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ رُكْنًا مِنْ الْإِيمَانِ يَلْزَمُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ الرِّدَّةِ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ لِأَنَّهُ يَنْتَفِي الْإِقْرَارُ إذْ ذَاكَ، وَانْتِفَاءُ رُكْنٍ وَاحِدٍ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْكُلِّ لَا مَحَالَةَ. لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ رُكْنٌ مِنْ الْإِيمَانِ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ مِنْهُ كَالتَّصْدِيقِ، بَلْ قَالَ: إنَّهُ رُكْنٌ زَائِدٌ وَالتَّصْدِيقُ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ، وَفَسَّرَ مَعْنَى كَوْنِهِ رُكْنًا زَائِدًا بِأَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ فِي وُجُودِ الْمُرَكَّبِ، لَكِنْ إنْ عُدِمَ بِنَاءً عَلَى ضَرُورَةِ جَعْلِ الشَّارِعِ عَدَمَهُ عَفْوًا وَاعْتَبَرَ الْمُرَكَّبَ مَوْجُودًا حُكْمًا وَقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي كُتُب