وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام {الْجِهَادُ فَرْضٌ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ} وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} الْحَدِيثَ. وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَكَوْنُهُ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ لِعَيْنِهِ إذْ هُوَ قَتْلٌ وَإِفْسَادٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا شُرِعَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازِ دِينِهِ وَدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْ الْعِبَادِ فَإِذَا حَصَلَ مِنْ الْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَدَفْنِ الْمَيِّتِ وَرَدِّ السَّلَامِ وَلِأَنَّ فِي اشْتِغَالِ الْكُلِّ قَطْعُ مَادَّةِ الْجِهَادِ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَيَنْقَطِعُ الْجِهَادُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى الْبَعْضُ الْجِهَادَ وَالْبَعْضُ التِّجَارَةَ وَالْحَرْثَ وَالْحِرَفَ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْمَصَالِحُ وَالتَّقْوِيَةُ فَوَجَبَ عَلَى الْكِفَايَةِ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ قوله تعالى {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} إلَى قَوْلِهِ {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} وَعَدَ الْقَاعِدَ الْحُسْنَى وَلَوْ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ لَذُمَّ وَكَانَتْ الصَّحَابَةُ يَغْزُو بَعْضُهُمْ وَيَقْعُدُ الْبَعْضُ وَلَوْ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ لَمَا قَعَدُوا وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقَرَّرَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْجِهَادِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ مَامُورٌ بِالصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} وَقَالَ تَعَالَى {وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ} ثُمَّ أُمِرَ بِالدُّعَاءِ إلَى الدِّينِ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْمُجَادَلَةِ الْحَسَنَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ثُمَّ أُمِرَ بِالْقِتَالِ إذَا كَانَتْ الْبِدَايَةُ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} أَيْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الدَّفْعِ ثُمَّ أُمِرَ بِالْقِتَالِ ابْتِدَاءً فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . ثُمَّ بِالْبِدَايَةِ بِالْقِتَالِ مُطْلَقًا فِي الْأَزْمَانِ كُلِّهَا وَفِي الْأَمَاكِنِ بِأَسْرِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْمُطْلَقَةِ وَقَدْ حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الطَّائِفَ لِعَشْرٍ بَقَيْنَ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَالْمُحَاصَرَةُ نَوْعٌ مِنْ الْقِتَالِ فَهَذَا يَدُلُّ