والصورتان السابقتان مما يتعين فيه الجهاد لا ينبغي أن يكون فيهما خلافٌ، وليس لهما اختصاص بالجهاد فهما في كل من له ولاية: لا يُطاع إذا أمر بمعصية الله، ولا يُطاع في تعطيل فرائض الله، ولا يُنزل إلى اجتهاده فيما هو متَّهمٌ فيه.
وفيما عدا هاتين الصورتين، فإنَّ استئذان الأمير واجبٌ في الخروج إلى الجهاد، وفي مفارقته بعد الخروج، فإذا منعه الأمير من الجهاد الذي لم يتعيَّن عليه، وجب عليه الامتناع، وإذا خرج مع الأمير في جهاد وأراد أن يذهب أو يخرج لحاجة ولو يسيرةٍ كالاحتطاب ونحوه لم يجز له أن يذهب حتى يستأذنه لقوله تعالى: (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ) وكذلك الاستئذان لترك فرض الكفاية.
أما الاستئذان لترك فرض العين فهو من أمارات النفاق، وهو على الأرجح المراد بقوله تعالى: (لا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) فلا يكون منسوخًا، ولا تعارض بينه وبين الآية الأخرى، قال القرطبي:" {لا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} أي في القعود ولا في الخروج، بل إذا أمرت بشيءٍ ابتدروه"، وصح عن ابن عباس أن المراد بهذه الآية من يستأذن بلا عذر، ومعلوم أن الاستئذان بلا عذر لا يكون ذنبًا إلاَّ عندما يكون الجهاد فرضًا، وفرض الكفاية لا يكون فرضًا على آحاد الناس فلا يكون الاستئذان بلا عذر منهم ذنبًا، وفرض العين في سبب النزول كان باستنفار الإمام في غزوة تبوك مع أنها كانت من جهاد الطلب كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:"فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه، ولإرهاب العدو كغزاة تبوك ونحوها"، وللإمام إذا