فهرس الكتاب
الشَّافِعِيُّ) رحمه الله تعالى وَلَوْ جَازَ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ إحْدَى الْآيَتَيْنِ وَالْحَدِيثَيْنِ نَاسِخٌ لِلْآخَرِ جَازَ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ بِأَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْقُرْآنِ وَمِنْ الْمَجُوسِ فِي السُّنَّةِ مَنْسُوخٌ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُسْلِمُوا وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا نَاسِخٌ إلَّا بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيَمْضِيَانِ جَمِيعًا عَلَى وُجُوهِهِمَا مَا كَانَ إلَى إمْضَائِهِمَا سَبِيلٌ بِمَا وَصَفْنَا وَذَلِكَ إمْضَاءُ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحُكْمِ رَسُولِهِ مَعًا وَقَوْلُك خَارِجٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ قَالَ فَقَالَ لِي أَفَعَلَيَّ أَيَّ شَيْءٍ الْجِزْيَةُ؟ قُلْنَا عَلَى الْأَدْيَانِ لَا عَلَى الْأَنْسَابِ وَلَوَدِدْنَا أَنَّ الَّذِي قُلْت عَلَى مَا قُلْت إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سَخَطٌ وَمَا رَأَيْنَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَّقَ بَيْنَ عَرَبِيٍّ وَلَا عَجَمِيٍّ فِي شِرْكٍ وَلَا إيمَانٍ وَلَا الْمُسْلِمُونَ أَنَّا لَنَقْتُلُ كُلًّا بِالشِّرْكِ وَنَحْقِنُ دَمَ كُلِّ بِالْإِسْلَامِ وَنَحْكُمُ عَلَى كُلٍّ بِالْحُدُودِ فِيمَا أَصَابُوا وَغَيْرَهَا
وقال الجصاص: [1]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} يَقْتَضِي قَتْلَ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ عُمُومَهُ مَقْصُورٌ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَّقَ فِي اللَّفْظِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا} فَعَطَفَ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ هَذَا اللَّفْظِ يَخْتَصُّ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ مِنْ النَّصَارَى، وَالْمَجُوسِ، وَالصَّابِئِينَ مُشْرِكِينَ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّصَارَى قَدْ أَشْرَكَتْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ عِبَادَةَ الْمَسِيحِ،
(1) أحكام القرآن للجصاص - (ج 6 / ص 48.)