فهرس الكتاب

الصفحة 695 من 865

وقوله - تعالى - {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وتأبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} زيادة بيان للأحال القبيحة الملازمة لهؤلاء المشركين.

أى: أن هؤلاء المشركين إن غلبوكم - أيها المؤمنون - فلعوا بكم الأفاعيل، وتفتنوا في إيذاكم من غير أن يقيموا وزنا لما بينكم وبينهم من عهود وموايثق، وقرابات وصلات. . أما إذا كانت الغلبة لكم فإنهم في هذه الحالة {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ} أى: يعطونكم من ألسنتهم كلاما معسولا إرضاء لكم، وهم في الوقت نفسه {وتأبى قُلُوبُهُمْ} المملوءة حقدا عليكم وبغضا لكم تصديق ألسنتهم، فهم كما وصفهم - سبحانه - في آية أخرى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} وقوله: {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} أى: خارجون عن حدود الحق، منفصلون عن كل فضيلة ومكرمة، إذ الفسق هو الخروج والانفصال. يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها وفسق فلان إذا خرج عن حدود الشرع.

وإنما وصف أكرهم بالفسوق، لأن هؤلاء الاكثرين منهم، هم الناقضون لعهودهم، الخارجون على حدود ربهم، أما الأقلون منهم فهم الذين وفوا بعهودهم، ولم ينقصوا المؤمنين شيئا، ولم يظاهروا عليهم أحدا.

وبذلك نرى أن الاية الكريمة قد وصفت هؤلاء المشركين وصفا في نهاية الذم والقبح، لأنهم إن كانوا أقوياء فجروا واسرفوا في الإِيذاء، نابذين كل عهد وقراءة وعرف. . أما إذا شعروا بالضعف فإنهم يقدمون للمؤمنين الكلام اللين الذى تنطق به ألسنتهم، وتأباه قلوبهم الحاقدة الغادرة.

أى أن الغدر ملازم لهم في حالتى قوتهم وضعفهم، لأنهم في حالة قوتهم {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} . وفى حالة ضعفهم يخادعون ويداهون حتى تحين لهم الفرصة للانقضاض على المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت