وينتقض عهد الذّمّة بلحوق الذّمّيّ دار الحرب، أو بغلبتهم على موضعٍ يحاربوننا منه، لأنّهم صاروا حربًا علينا، فيخلو عقد الذّمّة عن الفائدة، وهو دفع شرّ الحرب.
وهذا باتّفاق المذاهب.
وجمهور الفقهاء على أنّ عقد الذّمّة ينتقض أيضًا بالامتناع عن الجزية، لمخالفته مقتضى العقد.
وقال الحنفيّة: لو امتنع الذّمّيّ عن إعطاء الجزية لا ينتقض عهده، لأنّ الغاية الّتي ينتهي بها القتال التزام الجزية لا أداؤها، والالتزام باقٍ، ويحتمل أن يكون الامتناع لعذر العجز الماليّ، فلا ينقض العهد بالشّكّ.
43 -وهناك أسباب أخرى اعتبرها بعض الفقهاء ناقضةً للعهد مطلقًا، وبعضهم بشروطٍ: فقد قال المالكيّة: ينقض عهد الذّمّة بالتّمرّد على الأحكام الشّرعيّة، بإظهار عدم المبالاة بها، وبإكراه حرّةٍ مسلمةٍ على الزّنى بها إذا زنى بها بالفعل، وبغرورها وتزوّجها ووطئها، وبتطلّعه على عورات المسلمين، وبسبّ نبيٍّ مجمعٍ على نبوّته عندنا بما لم يقرّ على كفره به.
فإن سبّ بما أقرّ على كفره به لم ينتقض عهده، كما إذا قال: عيسى إله مثلًا، فإنّه لا ينتقض عهده.
وقال الشّافعيّة: لو زنى ذمّيّ بمسلمةٍ، أو أصابها بنكاحٍ، أو دلّ أهل الحرب على عورة المسلمين، أو فتن مسلمًا عن دينه، أو طعن في الإسلام أو القرآن، أوذكر الرّسول صلى الله عليه وسلم بسوءٍ، فالأصحّ أنّه إن شرط انتقاض العهد بها انتقض، وإلاّ فلا ينتقض، لمخالفته الشّرط في الأوّل دون الثّاني.
وقال الحنابلة في الرّواية المشهورة، وهو وجه عند الشّافعيّة: إن فعلوا ما ذكر أو شيئًا منه نقض العهد مطلقًا، ولو لم يشترط عليهم، لأنّ ذلك هو مقتضى العقد.