قوله:"يؤيد بنصره من يشاء". فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مثلي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد. قال: والرؤية هنا لليهود. وقال مكي: الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله، والمرئية الفئة الكافرة؛ أي ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثلي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقللهم الله في أعينهم على ما تقدم. والخطاب في"لكم"لليهود. وقرأ ابن عباس وطلحة"تُروهم"بضم التاء، والسلمي بالتاء المضمومة على ما لم يسم فاعله."والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار"تقدم معناه والحمد لله.
** قُلْ لّلّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىَ جَهَنّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَىَ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لاُوْلِي الأبْصَارِ
يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين {ستغلبون} أي في الدنيا، {وتحشرون} أي يوم القيامة {إلى جهنم وبئس المهاد} وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال «يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشًا» . فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في ذلك قوله {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ـ إلى قوله ـ لعبرة لأولي الأبصار} وقد رواه محمد بن إسحاق أيضًا، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، فذكره، ولهذا قال تعالى: {قد كان لكم آية} أي قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم {آية} ، أي دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعل أمره {في فئتين} أي طائفتين {التقتا} أي للقتال {فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} وهم مشركو قريش يوم بدر، وقوله: {يرونهم مثليهم رأي العين} قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، أي جعل الله ذلك فيما رأوه سببًا لنصرة الإسلام عليهم، وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذٍ قبل القتال يَحْزِر لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلثمائة يزيدون قليلًا أو ينقصون، وهكذا كان الأمر. كانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلًا، ثم لما وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.
(والقول الثاني) أن المعنى في قوله تعالى: {يرونهم مثليهم رأي العين} أي ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم، وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عباس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا، والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلًا وكأن هذاالقول مأخوذ من ظاهر هذه الاَية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام