فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 879

مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ هَذَا كُفْرٌ أَصْلًا، فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ تَعَالَى {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ} إلَى قوله تعالى {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا فِي قَوْمٍ مَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَكِنَّهَا صِفَةٌ يَعْرِفُهَا مِنْ نَفْسِهِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ، إلَّا أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} بَيَانٌ جَلِيٌّ عَلَى بَسْطِ التَّوْبَةِ لَهُمْ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ مُعْتَرِفٌ بِالْإِسْلَامِ، لَائِذٌ بِالتَّوْبَةِ فِيمَا صَحَّ عَلَيْهِمْ، مِنْ قَوْلٍ يَكُونُ كُفْرًا وَمَعْصِيَةً. فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِمَنْ ادَّعَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَيَعْرِفُ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ الْكُفْرَ فِي بَاطِنِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} إلَى قوله تعالى {وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ مَضَى قَوْلُنَا فِي قوله تعالى {وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} . وَقَالَ تَعَالَى {وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا} لَا يَخْتَلِفُ مُسْلِمَانِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى تَرْكِ قِتَالِ الْكَافِرِينَ وَإِصْغَارِهِمْ وَدُعَائِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَقَالَ تَعَالَى {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} إلَى قوله تعالى {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا كِفَايَةٌ لِمَنْ عَقَلَ وَنَصَحَ نَفْسَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ، وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ: لَيُغْرِيَنَّ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَهُ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا - وَإِعْرَابُ - مَلْعُونِينَ - أَنَّهُ حَالٌ لِمُجَاوَرَتِهِمْ - مَعْنَاهُ لَا يُجَاوِرُونَهُ إلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ. وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى غَيْرَ هَذَا لَقَالَ: مَلْعُونُونَ عَلَى خَبَرِ ابْتِدَاءٍ مُضْمَرٍ ثُمَّ أَكَّدَ تَعَالَى بِأَنَّ هَذَا هُوَ سُنَّتَهُ تَعَالَى الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ. فَنَسْأَلُ مَنْ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلِمَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَعَلِمَ نِفَاقَهُمْ، هَلْ انْتَهَوْا أَوْ لَمْ يَنْتَهُوا؟ فَإِنْ قَالَ: انْتَهَوْا، رَجَعَ إلَى الْحَقِّ، وَصَحَّ أَنَّهُمْ تَابُوا وَلَمْ يَعْلَمْ بَاطِنَهُمْ - فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ أَوْ كَذِبِهَا - إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَطُّ إلَّا الظَّاهِرَ الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ، أَوْ كُفْرًا رَجَعُوا عَنْهُ فَأَظْهَرُوا التَّوْبَةَ مِنْهُ. وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَنْتَهُوا، لَمْ يَبْعُدْ عَنْ الْكُفْرِ، لِأَنَّهُ يَكْذِبُ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُخْبِرُ أَنَّهُ تَعَالَى بَدَّلَ سُنَّتَهُ الَّتِي قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُبَدِّلُهَا أَوْ بَدَّلَهَا رَسُولُهُ عليه السلام. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ مَنْ وَقَفَ عَلَى هَذَا وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ ثُمَّ تَمَادَى فَهُوَ كَافِرٌ، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ مُجَوِّرٌ لِرَسُولِهِ - عليه السلام - وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ كُفْرٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: مَا انْتَهَوْا وَلَا أَغْرَاهُ بِهِمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نَحْنُ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا، فَإِنَّ قَائِلَهُ آفِكٌ كَاذِبٌ، عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَحِلُّ لَهُ الْكَلَامُ فِي الدِّينِ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ} إلَى قوله تعالى {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فَقَدْ طَبَعَ عَلَى قَلْبِهِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي عَصَى فِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَطْبَعْ عَلَى قَلْبِهِ فِيهِ لَمَا عَصَى؟ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ مُنَافِقِينَ فَإِعْلَانُهُمْ بِالتَّوْبَةِ مَاحٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الظَّاهِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْبَاطِنِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

وقال ابن تيمية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت