فهرس الكتاب
أَنْكَرَ قَتْلَهُ وَلَا عَابَهُ أَحَدٌ وَلَمْ يُقَدْ عَلِيٌّ - وَقَدْ وَلِيَ قِتَالَ الْمُتَأَوِّلِينَ - وَلَا أَبُو بَكْرٍ مِنْ قَتْلِهِ الْجَمَاعَةَ الْمُمْتَنِعَ مِثْلُهَا عَلَى التَّاوِيلِ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَلَا عَلَى الْكُفْرِ وَإِنْ كَانَ بِارْتِدَادٍ إذَا تَابُوا قَدْ قَتَلَ طُلَيْحَةُ عُكَاشَةَ بْنَ مُحْصِنٍ وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ ثُمَّ أَسْلَمَ فَلَمْ يَضْمَنْ عَقْلًا وَلَا قَوَدًا فَأَمَّا جَمَاعَةٌ مُمْتَنِعَةٌ غَيْرُ مُتَأَوِّلِينَ قَتَلَتْ وَأَخَذَتْ الْمَالَ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ) رحمه الله هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَهُمْ هُنَاكَ مَا وُضِعَ عَنْهُمْ هَهُنَا وَهَذَا أَشْبَهُ عِنْدِي بِالْقِيَاسِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) رحمه الله: وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا أَظْهَرُوا رَايَ الْخَوَارِجِ وَتَجَنَّبُوا الْجَمَاعَاتِ وَأَكْفَرُوهُمْ لَمْ يَحِلَّ بِذَلِكَ قِتَالُهُمْ. بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَ أَيْدِينَا وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) رحمه الله: وَلَوْ قَتَلُوا وَالِيَهُمْ أَوْ غَيْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْصِبُوا إمَامًا أَوْ يُظْهِرُوا حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْإِمَامِ كَانَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ قَدْ سَلَّمُوا وَأَطَاعُوا وَالِيًا عَلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ ثُمَّ قَتَلُوهُ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ عَلِيٌّ رضي الله عنه أَنْ ادْفَعُوا إلَيْنَا قَاتِلَهُ نَقْتُلُهُ بِهِ، قَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ، قَالَ: فَاسْتَسْلِمُوا نَحْكُمُ عَلَيْكُمْ قَالُوا: لَا، فَسَارَ إلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَأَصَابَ أَكْثَرَهُمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) رحمه الله: وَإِذَا قَاتَلَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ أَوْ عَبْدٌ أَوْ غُلَامٌ مُرَاهِقٌ قُوتِلُوا مُقْبِلِينَ وَتُرِكُوا مُوَلِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْهُمْ وَيَخْتَلِفُونَ فِي الْإِسَارِ، وَلَوْ أُسِرَ بَالِغٌ مِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ فَحُبِسَ لِيُبَايِعَ رَجَوْت أَنْ يَسَعَ وَلَا يَسَعُ أَنْ يُحْبَسَ مَمْلُوكٌ وَلَا غَيْرُ بَالِغٍ مِنْ الْأَحْرَارِ وَلَا امْرَأَةٌ لِتُبَايِعَ، وَإِنَّمَا يُبَايَعُ النِّسَاءُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَمَّا عَلَى الطَّاعَةِ فَهُنَّ لَا جِهَادَ عَلَيْهِنَّ فَأَمَّا إذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ فَلَا يُحْبَسُ أَسِيرُهُمْ وَإِنْ سَأَلُوا أَنْ يُنْظَرُوا لَمْ أَرَ بَاسًا عَلَى مَا يَرْجُو الْإِمَامُ مِنْهُمْ وَإِنْ خَافَ عَلَى الْفِئَةِ الْعَادِلَةِ الضَّعْفَ عَنْهُمْ رَأَيْت تَاخِيرَهُمْ إلَى أَنْ تُمَكِّنَهُ الْقُوَّةُ عَلَيْهِمْ.
بَابُ فَرْضِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ حَوَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَالْآخَرُ: أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ إذَا قَامَ بِهِ غَيْرُهُ. لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} وَحَقِيقَتُهُ تَقْتَضِي الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ هُوَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ وَيَجْعَلُ مَخْرَجَ الْكَلَامِ مَخْرَجَ الْخُصُوصِ فِي قَوْلِهِ: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} مَجَازًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} وَمَعْنَاهُ:"ذُنُوبَكُمْ". وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، كَالْجِهَادِ وَغُسْلِ الْمَوْتَى