هَؤُلَاءِ ذُنُوبًا لَهُ. فَإِنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَغْفِرْ ذُنُوبَ جَمِيعِ الْأُمَمِ، قِيلَ: وَهُوَ أَيْضًا لَمْ يَغْفِرْ ذُنُوبَ جَمِيعِ أُمَّتِهِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَدْ مَيَّزَ بَيْنَ ذَنْبِهِ وَذُنُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} فَكَيْفَ يَكُونُ ذَنْبُ الْمُؤْمِنِينَ ذَنْبًا لَهُ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ الصَّحَابَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَك فَمَا لَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَعَ إيمَانِهِمْ} فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلِمُوا أَنَّ قَوْلَهُ: {لِيَغْفِرَ لَك اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ} مُخْتَصٌّ بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَغْفِرْ ذُنُوبَ جَمِيعِ أُمَّتِهِ بَلْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ مِنْ أُمَّتِهِ مِنْ يُعَاقَبُ بِذُنُوبِهِ إمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا مِمَّا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ وَأَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَشُوهِدَ فِي الدُّنْيَا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} وَالِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ قَدْ يَكُونَانِ مِنْ تَرْكِ الْأَفْضَلِ. فَمَنْ نُقِلَ إلَى حَالٍ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَدْ يَتُوبُ مِنْ الْحَالِ الْأَوَّلِ؛ لَكِنَّ الذَّمَّ وَالْوَعِيدَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى ذَنْبٍ.
اخْتِيَارُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ
إذَا عَرَفَ هَذَا، فَلَيْسَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ إلَّا أَصْلَحَ الْمَوْجُودَ، وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي مَوْجُودِهِ، مَنْ هُوَ صَالِحٌ لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ، فَيَخْتَارُ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ يَحْسِبُهُ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ، وَأَخْذِهِ لِلْوِلَايَةِ بِحَقِّهَا، فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ، وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِي هَذَا، وَصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ اخْتَلَّ بَعْضُ الْأُمُورِ بِسَبَبٍ مِنْ غَيْرِهِ، إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَيَقُولُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} . وَقَالَ فِي الْجِهَادِ: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَك وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ} . وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} فَمَنْ أَدَّى الْوَاجِبَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَقَدْ اهْتَدَى: وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ إذَا كَانَ مِنْهُ عَجْزٌ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، أَوْ خِيَانَةٌ عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ الْأَصْلَحَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ، فَإِنَّ الْوِلَايَةَ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} وَقَالَ صَاحِبُ مِصْرَ لِيُوسُفَ عليه السلام: {إنَّكَ الْيَوْمَ لَدِينًا مَكِينٌ أَمِينٌ} وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ جِبْرِيلَ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} . وَالْقُوَّةُ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ بِحَسَبِهَا، فَالْقُوَّةُ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ تَرْجِعُ إلَى شَجَاعَةِ الْقَلْبِ، وَإِلَى الْخِبْرَةِ بِالْحُرُوبِ، وَالْمُخَادَعَةِ فِيهَا، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ، وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْوَاعِ الْقِتَالِ: مِنْ رَمْيٍ وَطَعْنٍ وَضَرْبٍ، وَرُكُوبٍ وَكَرٍّ وَفَرٍّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا} وَفِي رِوَايَةٍ: {فَهِيَ نِعْمَةٌ جَحَدَهَا} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ