وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ"لَعَلَّهُ يُصَلِّي"فَإِنَّمَا فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِ مَنْ يُصَلِّي، وَلَيْسَ فِيهِ قَتْلُ مَنْ لَا يُصَلِّي أَصْلًا، بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَإِذَا سَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ حُكْمٍ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ عليه السلام مَا لَمْ يَقُلْ، فَيَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَيُخْبِرُ عَنْ مُرَادِهِ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ فَيَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَأَمَّا {نَهَيْتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ} و"أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ"فَنَعَمْ، لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُصَلٍّ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ فِي قَتْلِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِقَتْلِ مَنْ لَيْسَ مُصَلِّيًا إذَا أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ، أَصْلًا. وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُنْسَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَمْ يَقُلْ. وَيُقَالُ لِمَنْ جَسَرَ عَلَى هَذَا: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا الَّذِي تَقُولُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، كُذِّبَ جِهَارًا، وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَقُلْ، لَكِنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ؟ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ دَلِيلُك عَلَى ذَلِكَ؟ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى دَلِيلٍ أَصْلًا، إلَّا ظَنَّهُ الْكَاذِبَ - فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ دَلِيلٌ أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَايٍ صَحِيحٍ - وَمَا كَانَ هَكَذَا مِنْ الْأَقْوَالِ فَهُوَ خَطَأٌ بِلَا شَكٍّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَهَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ مَعَ مَنْ قَالَ بِقَتْلِهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ غَيْرُ كَافِرٍ - وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِهِ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، فَلَيْسَ هَذَا مَكَانُ الْكَلَامِ فِيهِ مَعَهُمْ، فَسَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ مُتَقَصًّى فِي"كِتَابِ الْإِيمَانِ"مِنْ الْجَامِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَإِذْ قَدْ بَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ فَإِنَّا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنَّهُ قَدْ صَحَّ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا - فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ} فَكَانَ هَذَا أَمْرًا بِالْأَدَبِ عَلَى مَنْ أَتَى مُنْكَرًا - وَالِامْتِنَاعُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَمِنْ الطَّهَارَةِ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَمِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ، وَمِنْ الزَّكَاةِ، وَمِنْ الْحَجِّ، وَمِنْ أَدَاءِ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا وَمِنْ كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ - بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ - كُلُّ ذَلِكَ مُنْكَرٌ، بِلَا شَكٍّ وَبِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَالْحَرَامُ مُنْكِرٌ بِيَقِينٍ. فَصَحَّ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إبَاحَةُ ضَرْبِ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا بِالْيَدِ. وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا يَضْرِبَ فِي التَّعْزِيرِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ عَلَى مَا نُورِدُ فِي"بَابِ كَمْ يَكُونُ التَّعْزِيرُ"إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَوَاجِبٌ أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا عَشْرَ جَلَدَاتٍ فَإِنْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَقَدْ بَرِئَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى الِامْتِنَاعِ فَقَدْ أَحْدَثَ مُنْكَرًا آخَرَ بِالِامْتِنَاعِ الْآخَرِ، فَيُجْلَدُ أَيْضًا عَشْرًا - وَهَكَذَا أَبَدًا، حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ يَمُوتَ - غَيْرَ مَقْصُودٍ إلَى قَتْلِهِ - وَلَا يُرْفَعُ عَنْهُ الضَّرْبُ أَصْلًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَتَدْخُلَ أُخْرَى فَيُضْرَبُ لِيُصَلِّيَ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا، وَهَكَذَا أَبَدًا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، فَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الْعَتَمَةِ تُرِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى صَلَاةٍ مَا خَرَجَ وَقْتُهَا - ثُمَّ يُجَدَّدُ عَلَيْهِ الضَّرْبُ إذَا دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا - ثُمَّ يُتْرَكَ إلَى أَوَّلِ الظُّهْرِ، وَيَتَوَلَّى ضَرْبَهُ مَنْ قَدْ صَلَّى، فَإِذَا صَلَّى غَيْرُهُ خَرَجَ هَذَا إلَى الصَّلَاةِ وَيَتَوَلَّى الْآخَرُ ضَرْبَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - حَتَّى يَتْرُكَ الْمُنْكَرَ الَّذِي يُحْدِثُ أَوْ يَمُوتُ، فَالْحَقُّ قَتْلُهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ مَعَ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.