فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 879

فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ". لقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} . وَلِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رضي الله عنه، {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي بَنِي عَقِيلٍ، وَصَاحِبَ الْعَضْبَاءِ بِرَجُلَيْنِ} . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ: لَا مُفَادَاةَ بِالْأَسْرَى، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَعُونَةً لِلْكُفْرِ، لِأَنَّ أَسْرَاهُمْ يَعُودُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَدَفْعُ شَرِّ حِرَابَتِهِمْ خَيْرٌ مِنْ اسْتِنْقَاذِ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ، لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ كَانَ ابْتِلَاءً فِي حَقِّهِ غَيْرَ مُضَافٍ إلَيْنَا، وَالْإِعَانَةُ بِدَفْعِ أَسِرْهُمْ إلَيْهِمْ مُضَافٌ إلَيْنَا، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَحَمُّلِ الضَّرَرِ الْخَاصِّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وَفِي الْمُفَادَاةِ تَرْكُ الْقَتْلِ وَهُوَ فَرْضٌ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إقَامَتِهِ بِحَالٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِجَوَازِ ذَلِكَ. وَجَاءَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ: وَهِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ تَخْلِيصَ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِطَرِيقِ الْمُفَادَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ تَرْكِ قَتْلِ أَسَارَى الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ قَتْلِ الْكَافِرِ وَمِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَظِيمَةٌ. وَلِلتَّفْصِيلِ اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَسْرَى ف 25) "

قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) التوبة

قال القرطبي رحمه الله:

الآية: 29 {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}

قوله تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر"لما حرم الله تعالى على الكفار أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم بما قطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، قال الله عز وجل:"وإن خفتم عيلة" [التوبة:28] الآية. على ما تقدم. ثم أحل في هذه الآية الجزية وكانت لم تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عوضا مما منعهم من موافاة المشركين بتجارتهم. فقال الله عز وجل:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر"الآية. فأمر سبحانه وتعالى بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر إكراما لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل، وخصوصا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وملته وأمته. فلما أنكروه تأكدت عليهم الحجة وعظمت منهم الجريمة، فنبه على محلهم ثم جعل للقتال غاية وهي إعطاء الجزية بدلا عن القتل. وهو الصحيح. قال ابن العربي: سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها. فقال:"قاتلوا"وذلك أمر بالعقوبة. ثم قال:"الذين لا يؤمنون"وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة. وقوله:"ولا باليوم الآخر"تأكيد للذنب في جانب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت