نَاسِخَةٌ لقوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} . وَقَالُوا أَيْضًا: {إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَقِيلَ: إنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ} . وَأَجَابُوا عَنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ أَنَّ مَعْنَاهَا تَحْرِيمُ نَصْبِ الْقِتَالِ عَلَيْهِمْ بِمَا يَعُمُّ كَالْمَنْجَنِيقِ وَغَيْرِهِ إذَا أَمْكَنَ إصْلَاحُ الْحَالِ بِدُونِ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ تُضَاعَ، وَلَأَنْ تَكُونَ مَحْفُوظَةً فِي حَرَمِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُونَ مُضَاعَةً فِيهِ.
حِصَارٌ التَّعْرِيفُ: 1 - الْحِصَارُ مَصْدَرُ حَاصَرَ، وَمِثْلُهُ الْمُحَاصَرَةُ، أَيْ التَّضْيِيقُ عَلَى الشَّخْصِ وَالْإِحَاطَةُ بِهِ، وَالْحَصِيرُ فِي اللُّغَةِ الْمَحْبِسُ. قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} أَيْ مَحْبِسًا. وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ التَّضْيِيقُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَالْإِحَاطَةُ بِهِ فِي بَلَدٍ، أَوْ قَلْعَةٍ، أَوْ حِصْنٍ، أَوْ غَيْرِهَا، وَمَنْعُ الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ حَتَّى يَسْتَسْلِمَ. (الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ) : 2 - لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مُحَاصَرَةُ الْكُفَّارِ فِي بِلَادِهِمْ، وَالْحُصُونِ وَالْقِلَاعِ، وَتَشْدِيدُ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ بِالْمَنْعِ مِنْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَالْمَنْعِ مِنْ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَسْلِمُوا وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. لقوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} وَقَدْ حَاصَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ الطَّائِفِ. وَحَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ الْقُدْسَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَعَلَى الْإِمَامِ إذَا حَاصَرَ حِصْنًا أَوْ مَدِينَةً أَنْ يَاخُذَهُ بِوَاحِدَةٍ مِنْ خِصَالٍ خَمْسٍ: أ - أَنْ يُسَلِّمُوا فَيَعْصِمُوا بِالْإِسْلَامِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ الصِّغَارَ. ب - أَنْ يَبْذُلُوا مَالًا عَلَى الْمُوَادَعَةِ فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ قَبُولُهُ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ جَعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُلَّ عَامٍ، أَوْ دَفَعُوهُ جُمْلَةً، وَلَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا جِزْيَةً إنْ كَانُوا مِمَّنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ فَيَقْبَلُ مِنْهُمْ وُجُوبًا. ج - أَنْ يَفْتَحَهُ. د - أَنْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي الِانْصِرَافِ عَنْهُمْ، إمَّا لِضَرَرٍ فِي الْإِقَامَةِ، وَإِمَّا لِلْيَاسِ مِنْهُ، وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ تَفُوتُ بِإِقَامَتِهِ هُنَاكَ فَيَنْصَرِفُ، لِمَا رُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ: إنَّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ أَنَرْجِعُ عَنْهُ وَلَمْ تَفْتَحْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اُغْدُوَا عَلَى الْقِتَالِ، فَغَدَوَا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمْ الْجِرَاحُ فَقَالَ لَهُمْ: إنَّا قَافِلُونَ غَدًا فَأَعْجَبَهُمْ فَقَفَلَ} . هـ - أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ فَيَجُوزُ قَبُولُهُ. لِمَا رُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَجَابَهُمْ إلَى ذَلِكَ} . وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تَحْكِيمٌ) . وَلَا يُعْتَبَرُ الْحِصَارُ ظَفَرًا بِهِمْ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمَحْصُورُونَ أَثْنَاءَ الْحِصَارِ وَقَبْلَ الِاسْتِسْلَامِ عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ الصِّغَارَ، فَلَا يُقْتَلُونَ وَلَا يُسْتَوْلَى عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ قَرِيبًا. أَمَّا إذَا أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ فَإِنَّهُمْ يَعْصِمُونَ دِمَاءَهُمْ دُونَ أَمْوَالِهِمْ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (جِهَادٌ) .
فِدَاءُ أَسْرَى الْعَدُوِّ بِأَسْرَى مُسْلِمِينَ:
7 -ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ فِدَاءُ أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ بِأَسْرَى مُسْلِمِينَ أَوْ ذِمِّيِّينَ، وَلَوْ وَاحِدًا فِي مُقَابِلِ جَمْعٍ مِنْ أَسْرَاهُمْ، قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: رِجَالًا، أَوْ نِسَاءً، أَوْ خَنَاثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إنْ رَأَى الْإِمَامُ