إليك لتؤنبني، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على قبره، فأنزل الله عز وجل {ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا} الاَية، وقد ذكر بعض السلف أنه إنما كساه قميصه لأن عبد الله بن أبي لما قدم العباس طلب له قميص فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أبي لأنه كان ضخمًا طويلًا ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم مكافأة له فالله أعلم. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الاَية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن أبيه، حدثني عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرًا قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك قال لأهلها «شأنكم بها» ولم يصل عليها، وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، قد أخبره بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من الصحابة.
وقال أبو عبيد في كتاب الغريب في حديث عمر، أنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه حذيفة كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها. ثم حكى عن بعضهم أن المرز بلغة أهل اليمامة هو القرص بأطراف الأصابع، ولما نهى الله عز وجل عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذه الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل كما ثبت في الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» قيل وما القيراطان؟ قال «أصغرهما مثل أحد» وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات، فروى أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا هشام عن عبد الله بن بحير عن هانئ، وهو أبو سعيد البربري مولى عثمان بن عفان عن عثمان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الاَن يسأل» انفرد بإخراجه أبو داود رحمه الله.
** وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الدّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ
قد تم تفسيرنظير هذه الاَية الكريمة ولله الحمد والمنة.
وينتقل السياق - مرة أخرى - إلى الحديث عن المتخلفين عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك:
(فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول اللّه، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه، وقالوا: لا تنفروا في الحر. قل: نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون. فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون. فإن رجعك اللّه إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل: لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًا. إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين. ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم