فَإِنَّهُمْ إذَا تَوَقَّفُوا فِي مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ، فَفِي مِنْ لَا شُبْهَةَ لَهُ أَوْلَى، ثُمَّ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ لِلْخَبَرِ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَاخُذُوهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ} . يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، إذْ لَوْ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ، لَمْ يَخْتَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِإِضَافَتِهَا إلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ تَغْلُظُ كُفْرُهُمْ لِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ وَجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ، فَلَمْ يُقَرُّوا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، كَقُرَيْشٍ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَلِأَنَّ تَغْلِيظَ الْكُفْرِ لَهُ أَثَرٌ فِي تَحَتُّمِ الْقَتْلِ، وَكَوْنِهِ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، بِدَلِيلِ الْمُرْتَدِّ. وَأَمَّا الْمَجُوسُ، فَإِنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ، وَالشُّبْهَةُ تَقُومُ مُقَامَ الْحَقِيقَةِ فِيمَا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ، فَحَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ لِلشُّبْهَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ حِلُّ نِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ، وَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَمَّا اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ دِمَائِهِمْ، اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، لِيَثْبُتَ التَّحْرِيمُ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا، تَغْلِيبًا لَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِالِاسْتِرْقَاقِ.
كِتَابُ الْجِزْيَةِ
وَهِيَ الْوَظِيفَةُ الْمَاخُوذَةُ مِنْ الْكَافِرِ، لِإِقَامَتِهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ عَامٍ، وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنْ جَزَى يَجْزِي: إذَا قَضَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} تَقُولُ الْعَرَبُ: جَزَيْت دَيْنِي. إذَا قَضَيْته،. وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَى {الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِجُنْدِ كِسْرَى يَوْمَ نَهَاوَنْدَ: أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.} وَعَنْ بُرَيْدَةَ، أَنَّهُ قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ، أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَقَالَ لَهُ: إذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ، اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوك، فَاقْبَلْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوك، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ} فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ:
10 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ الْمَجُوسِ، لِنَصِّ الْحَدِيثِ {سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ} وَلِأَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ. وَقَدْ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ. أَمَّا مَا عَدَا هَؤُلَاءِ فَهُمْ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أ - مُرْتَدُّونَ: وَهَؤُلَاءِ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ كَفَرَ بِرَبِّهِ بَعْدَ مَا هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ وَوَقَفَ عَلَى مَحَاسِنِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ. ب - مُشْرِكُونَ مِنْ الْعَرَبِ