فهرس الكتاب

الصفحة 822 من 879

الْفِعْلُ. وَقَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا هَاجَرْنَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى امْتِحَانَهُنَّ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ سَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ غَيْبَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ حَضْرَتِهِمْ وقوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} الْمُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ الظَّاهِرُ لَا حَقِيقَةُ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ: {إنَّ ابْنَك سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا} يَعْنُونَ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَرَقَ فِي الْحَقِيقَةِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} ؟، وَإِنَّمَا حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ جِهَةِ الظَّاهِرِ لَمَّا وَجَدُوا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِهِ؛ وَهُوَ مِثْلُ شَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ ظَاهِرُهُمْ الْعَدَالَةُ قَدْ تَعَبَّدَنَا اللَّهُ بِالْحُكْمِ بِهَا مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ وَحَمْلِ شَهَادَتِهِمَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَكَذَلِكَ قَبُولُ أَخْبَارِ الْآحَادِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَقَدْ أَلْزَمَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَبُولَ قَوْلِ مَنْ أَظْهَرَ لَنَا الْإِيمَانُ وَالْحُكْمَ بِصِحَّةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. وَهَذَا أَصْلٌ فِي تَصْدِيقِ كُلِّ مَنْ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ حَالِهِ، مِثْلُ الْمَرْأَةِ إذَا أَخْبَرَتْ عَنْ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا وَحَبَلِهَا، وَمِثْلُ الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ:"أَنْتِ طَالِقٌ إذَا حِضْتِ"أَوْ قَالَ:"إذَا طَهُرْتِ"فَيَكُونُ قَوْلُهَا مَقْبُولًا فِيهِ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {إذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ} فَقَالَ عَطَاءٌ: مَا عَلِمْنَا إيمَانَهُنَّ إلَّا بِمَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِنَّ؛ وَقَالَ قَتَادَةُ: امْتِحَانُهُنَّ مَا خَرَجْنَ إلَّا لِلدِّينِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَحُبِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَرَسُولِهِ.

وقال ابن العربي:

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: الْإِعْرَاضُ عَنْ الْجَاهِلِينَ:

وَأَمَّا الْإِعْرَاضُ عَنْ الْجَاهِلِينَ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ أُمِرَ بِقِتَالِهِمْ، عَامٌّ فِي كُلِّ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَهُمْ. وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: {لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ} . وَقَالَتْ {أَسْمَاءُ: إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ رَاغِبَةً وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّك} . الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ، قَدْ تَضَمَّنَتْ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ الْمَامُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَسَنَةٌ إلَّا أَوْضَحَتْهَا، وَلَا فَضِيلَةٌ إلَّا شَرَحَتْهَا، وَلَا أُكْرُومَةٌ إلَّا افْتَتَحَتْهَا، وَأَخَذَتْ الْكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ أَقْسَامَ الْإِسْلَامِ الثَّلَاثَةَ. فَقَوْلُهُ: {خُذْ الْعَفْوَ} تَوَلَّى بِالْبَيَانِ جَانِبَ اللِّينِ، وَنَفْيَ الْحَرَجِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَالتَّكْلِيفِ. وَقَوْلُهُ: {وَامُرْ بِالْعُرْفِ} تَنَاوَلَ جَمِيعَ الْمَامُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ؛ وَإِنَّهُمَا مَا عُرِفَ حُكْمُهُ، وَاسْتَقَرَّ فِي الشَّرِيعَةِ مَوْضِعُهُ، وَاتَّفَقَتْ الْقُلُوبُ عَلَى عِلْمِهِ. وَقَوْلُهُ: {وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ} تَنَاوَلَ جَانِبَ الصَّفْحِ بِالصَّبْرِ الَّذِي بِهِ يَتَأَتَّى لِلْعَبْدِ كُلُّ مُرَادٍ فِي نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ شَرَحْنَا ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ لَكَانَ أَسْفَارًا.

الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قوله تعالى:

{وَقَضَى رَبُّك أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبْرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت