فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 879

{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} هُوَ أَتَمُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْوَصْفِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَالْقِيَامِ بِأَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ زَوَاجِرِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حُدُودًا فِي أَوَامِرِهِ وَزَوَاجِرِهِ وَمَا نَدَبَ إلَيْهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، أَوْ أَبَاحَهُ وَمَا خَيَّرَ فِيهِ وَمَا هُوَ الْأَوْلَى فِي تَحَرِّي مُوَافَقَةِ أَمْرِ اللَّهِ، وَكُلُّ هَذِهِ حُدُودُ اللَّهِ، فَوَصَفَ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِهَذَا الْوَصْفِ، مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَدَّى جَمِيعَ فَرَائِضِهِ وَقَامَ بِسَائِرِ مَا أَرَادَهُ مِنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا الْمُرَادِينَ بِهَا، وَهُمْ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ بَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَهِيَ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ: {التَّائِبُونَ} فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْزِلَةَ هَؤُلَاءِ رضي الله عنهم مِنْ الدِّينِ، وَالْإِسْلَامِ وَمَحِلَّهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي وَصْفِ الْعَبِيدِ بِالْقِيَامِ بِطَاعَةِ اللَّهِ كَلَامٌ أَبْلَغُ وَلَا أَفْخَمُ مِنْ قوله تعالى: {الْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} .

وفي المبسوط:

(قَالَ) وَمَا قُتِلَ بِهِ فِي الْمَعْرَكَةِ مِنْ سِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ سَوَاءٌ لَا يُغَسَّلُ

لِأَنَّ الْأَصْلَ شُهَدَاءُ أُحُدٍ وَفِيهِمْ مَنْ دُمِغَ رَاسُهُ بِالْحَجَرِ وَفِيهِمْ مِنْ قُتِلَ بِالْعَصَا ثُمَّ عَمَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَمْرِ بِتَرْكِ الْغُسْلِ وَلِأَنَّ الشَّهِيدَ بَاذِلٌ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ} وَفِي هَذَا الْمَعْنَى السِّلَاحُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ

وفي شرح السير الكبير:

وَلَوْ أَصَابُوا دَوَابَّ فَعَجَزُوا عَنْ إخْرَاجِهَا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهَا ثُمَّ يُحَرِّقُوهَا بِالنَّارِ،

وَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْقِرُوا شَيْئًا مِنْهَا عَقْرًا، وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى ذَبْحِهَا مِنْ بَقَرَةٍ وَلَا رَمَكَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. لِأَنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ.

2886 - إلَّا أَنْ يُعْجِزَهُمْ الثَّوْرُ أَوْ الرَّمَكَةُ فَحِينَئِذٍ لَا بَاسَ بِأَنْ يَعْقِرُوهَا بِالرَّمْيِ. لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ عَجْزُهُمْ عَنْ ذَبْحِهَا، وَفِي تَرْكِهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُشْرِكَيْنِ، فَلِهَذَا لَا بَاسَ بِأَنْ يَعْقِرُوهَا. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ جَعْفَرًا، الطَّيَّارَ رضي الله عنه يَوْمَ مُؤْتَةَ لَمَّا أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ تَرَجَّلَ وَعَقَرَ جَوَادَهُ، وَجَعَلَ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ، فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بَاسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَرَجَّلَ فَيُقَاتِلَ وَيَسْتَقْتِلَ. لِأَنَّهُ بِهَذَا الصَّنِيعِ يَرَى الْمُشْرِكُونَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْفِرَارَ مِنْهُمْ بِحَالٍ، وَفِي هَذَا كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ، وَهُوَ مِنْ مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ، قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. مِنْهُمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ حَمِيُّ الدُّبْرِ رضي الله عنه حَيْثُ اسْتَقْبَلَ يَوْمَ الرَّجِيعِ يَوْمَ بَنِي لِحْيَانَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ حَمِيَّ الدُّبْرِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ قَاتَلُوهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي حَمَيْت دِينَك بِجَهْدِي فَاحْمِ لَحْمِي، فَلَمَّا قُتِلَ أَرْسَلَ اللَّهُ الدُّبْرَ حَتَّى حَمَتْ لَحْمَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُ لِيَجُزَّ رَاسَهُ، فَقَالُوا: اصْبِرُوا حَتَّى يَدْخُلَ اللَّيْلُ، فَإِنَّ الدُّبْرَ تَذْهَبُ بِاللَّيْلِ، فَلَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ طَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَسُمِّيَ حَمِيَّ الدُّبْرِ لِهَذَا. وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ رضي الله عنه اسْتَقْبَلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ حَتَّى قُتِلَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَاسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَرَجَّلَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَقْتِلَ لِيُقْتَلَ أَوْ لِيَظْفَرَ بِهِمْ، وَأَنْ يَكْسِرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، وَأَنْ يَذْبَحَ فَرَسَهُ إنْ أَمْكَنَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت