ومصابرتهم. وقوله تعالى: {والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا} أي هو قادر عليهم في الدنيا والاَخرة كما قال تعالى: {ذلك ولو يشاء الله لا نتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} الاَية.
وحين يصل السياق إلى هذا الحد من تقويم عيوب الصف؛ التي تؤثر في موقفه في الجهاد وفي الحياة - ومنذ أول الدرس وهذا التقويم مطرد لهذه العيوب - عندئذ ينتهي إلى قمة التحضيض على القتال الذي جاء ذكره في ثنايا الدرس. قمة التكليف الشخصي، الذي لا يقعد الفرد عنه تبطئة ولا تخذيل، ولا خلل في الصف، ولا وعورة في الطريق. حيث يوجه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقاتل - ولو كان وحيدا - فإنه لا يحمل في الجهاد إلا تبعة شخصه صلى الله عليه وسلم وفي الوقت ذاته يحرض المؤمنين على القتال. .
وكذلك يوحي إلى النفوس بالطمأنينة ورجاء النصر: فالله هو الذي يتولى المعركة. والله أشد بأسا وأشد تنكيلا:
(فقاتل في سبيل الله - لا تكلف إلا نفسك - وحرض المؤمنين. عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا. والله أشد بأسا وأشد تنكيلا) . .
ومن خلال هذه الآية - بالإضافة إلى ما قبلها - تبرز لنا ملامح كثيرة في الجماعة المسلمة يومذاك. كما تبرز لنا ملامح كثيرة في النفس البشرية في كل حين:
"أ"يبرز لنا مدى الخلخلة في الصف المسلم؛ وعمق آثار التبطئة والتعويق والتثبيط فيه؛ حتى لتكون وسيلة الاستنهاض والاستجاشة، هي تكليف النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاتل في سبيل الله - ولو كان وحده - ليس عليه إلا نفسه؛ مع تحريض المؤمنين. غير متوقف مضيه في الجهاد على استجابتهم أو عدم استجابتهم!
ولو أن عدم استجابتهم - جملة - أمر لا يكون. ولكن وضع المسألة هذا الوضع يدل على ضرورة إبراز هذا التكليف على هذا النحو؛ واستجاشة النفوس له هذه الاستجاشة. فوق ما يحمله النص - طبعا - من حقيقة أساسية ثابتة في التصور الإسلامي. وهي أن كل فرد لا يكلف إلا نفسه. .
"ب"كما يبرز لنا مدى المخاوف والمتاعب في التعرض لقتال المشركين يومذاك. . حتى ليكون أقصى ما يعلق الله به رجاء المؤمنين: أن يتولى هو سبحانه كف بأس الذين كفروا؛ فيكون المسلمون ستارا لقدرته في كف بأسهم عن المسلمين. .
مع إبراز قوة الله - سبحانه - وأنه أشد بأسا وأشد تنكيلا. .
وإيحاء هذه الكلمات واضح عن قوة بأس الذين كفروا يومذاك؛ والمخاوف المبثوثة في الصف المسلم. .
وربما كان هذا بين أحد والخندق. فهذه أحرج الأوقات التي مرت بها الجماعة المسلمة في المدينة؛ بين المنافقين، وكيد اليهود، وتحفز المشركين! وعدم اكتمال التصور الإسلامي ووضوحه وتناسقه بين المسلمين!