وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ؛ لَكِنْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِفَوَاتِ التَّعْيِينِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَالْعُلَمَاءُ لَهُمْ فِي وُصُولِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ: كَالْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ إلَى الْمَيِّتِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَصِلُ؛ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالتَّفَاضُلِ فِي مَكَان دُونَ مَكَان. وَلَا قَالَ أَحَدٌ قَطُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ: أَنَّ الصَّلَاةَ أَوْ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَفْضَلُ مِنْهَا عِنْدَ غَيْرِهِ؛ بَلْ الْقِرَاءَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَتِهَا، فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ. وَمَالِكٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَطَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ. وَرَخَّصَ فِيهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَلَيْسَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ نَصٌّ نَعْرِفُهُ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَفْضَلُ. وَمَنْ قَالَ إنَّهُ عِنْدَ الْقَبْرِ يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ بِسَمَاعِهَا دُونَ مَا إذَا بَعُدَ الْقَارِئُ فَقَوْلُهُ هَذَا بِدْعَةٌ بَاطِلَةٌ مُخَالِفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. وَالْمَيِّتُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِأَعْمَالٍ يَعْمَلُهَا هُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ: لَا مِنْ اسْتِمَاعٍ وَلَا قِرَاءَةٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِآثَارِ مَا عَمِلَهُ فِي حَيَاتِهِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ} . وَيَنْتَفِعُ أَيْضًا بِمَا يُهْدَى إلَيْهِ مِنْ ثَوَابِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِمْ. وَإِلْزَامُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَعْمَلُوا وَلَا يَتَصَدَّقُوا إلَّا فِي بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، مِثْلَ كَنَائِسِ النَّصَارَى بَاطِلٌ. وَبِكُلِّ حَالٍ فَالِاسْتِخْلَافُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوطَةِ جَائِزٌ، وَكَوْنُهَا عَنْ الْوَاقِفِ إذَا كَانَ النَّائِبُ مِثْلَ الْمُسْتَنِيبِ فَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ. فَشَرْطٌ بَاطِلٌ وَمَتَى نَقَصُوا مِنْ الْمَشْرُوطِ لَهُمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَنْقُصُوا مِنْ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ط - الْوَصِيَّةُ:
12 -يَتَّفِقُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إذَا صَدَرَتْ مِنْ مُسْلِمٍ لِذِمِّيٍّ، أَوْ مِنْ ذِمِّيٍّ لِمُسْلِمٍ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ التَّمَلُّكِ، فَكَمَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَافِرِ وَهِبَتُهُ فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ. وَرَأَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا إنَّمَا تَصِحُّ لِلذِّمِّيِّ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ. أَمَّا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِلْيَهُودِ أَوْ لِلنَّصَارَى أَوْ حَتَّى لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ الْكَافِرِ فَلَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ حَامِلًا عَلَى الْوَصِيَّةِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُوَافِقُونَ مَنْ سِوَاهُمْ عَلَى صِحَّةِ وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ. أَمَّا وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِذِمِّيٍّ فَيَرَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ الْجَوَازَ إذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ، بِأَنْ كَانَتْ لِأَجْلِ قَرَابَةٍ، وَإِلَّا كُرِهَتْ. إذْ لَا يُوصِي لِلْكَافِرِ وَيَدَعُ الْمُسْلِمَ إلَّا مُسْلِمٌ مَرِيضُ الْإِيمَانِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ كَمَا فِي الطَّحَاوِيِّ عَلَى الدُّرِّ، وَغَيْرِهِ، بِأَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَوْصَى لِكَافِرٍ مِنْ مِلَّةٍ أُخْرَى جَازَ، اعْتِبَارًا لِلْإِرْثِ، إذْ الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ.