عَلِمْنَا مِنْ حَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ وَنَحْنُ لَا نُثْبِتُهُ فَقُلْت: لَهُ فَقَدْ كَانَتْ لَك كِفَايَةٌ تُصَدَّقُ بِهَا وَتُنْصَفُ وَتَكُونُ لَك الْحُجَّةُ فِي رَدِّهَا لَوْ قُلْت: إنَّهَا رُوِيَتْ مِنْ حَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ؛ لِأَنَّا وَإِيَّاكَ وَأَهْلَ الْحَدِيثِ لَا نُثْبِتُ حَدِيثًا مُنْقَطِعًا بِنَفْسِهِ بِحَالٍ فَكَيْفَ خَبَّرْت بِأَنَّهَا خِلَافُ الْقُرْآنِ فَزَعَمْتَ أَنَّك تَرُدُّهَا إنْ حَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ وَأَنْتَ لَا تَرُدُّ حُكْمَ حَاكِمٍ بِرَايِهِ وَإِنْ رَأَيْته أَنْتَ جَوْرًا قَالَ فَدَعْ هَذَا فَقُلْت: نَعَمْ بَعْدَ عِلْمٍ بِأَنَّك أَغْفَلْتَ أَوْ عَمَدْت أَنَّك تُشَنِّعُ عَلَى غَيْرِك بِمَا تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَتْ لَك عَلَيْهِ فِيهِ حُجَّةٌ وَهَذَا طَرِيقُ غَفْلَةٍ أَوْ ظُلْمٍ، قَالَ: فَهَلْ تَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ فَإِنَّمَا عَرَفْنَا فِيهَا حَدِيثًا مُنْقَطِعًا، وَحَدِيثًا يُرْوَى عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ مُتَّصِلًا فَيُنْكِرُهُ سُهَيْلٌ وَيَرْوِيهِ رَجُلٌ لَيْسَ بِالْحَافِظِ فَيُحْتَمَلُ لَهُ مِثْلُ هَذَا قُلْت مَا أَخَذْنَا بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ لَكِنْ عِنْدَنَا فِيهَا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فَاذْكُرْهُ قُلْت: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ {النَّبِيَّ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ} . وَأَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ مِثْلَهُ، قَالَ: مَا سَمِعْته قَبْلَ ذِكْرِك الْآنَ قُلْت أَنُثْبِتُ نَحْنُ وَأَنْتَ مِثْلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَلَزِمَكَ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، قَالَ فَأَرُدُّهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {الْبَيِّنَةُ عَلَى مِنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ} وَقَدْ كَتَبْت هَذَا فِي الْأَحَادِيثِ الْجُمَلِ وَالْمُفَسِّرَةَ وَكَلَّمْته فِيهِ بِمَا عَلِمَ مَنْ حَضَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَجَّ فِيهِ بِشَيْءٍ وَقَدْ وَصَفْتُ فِي كِتَابِي هَذَا الْمَوَاضِعَ الَّتِي غَلِطَ فِيهَا بَعْضُ مَنْ عَجَّلَ بِالْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ قَبْلَ خِبْرَتِهِ وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ.
(أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} . قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَقِيلَ [فِيهِ] : (فِتْنَةٌ) : شِرْكٌ، (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ) : وَاحِدًا (لِلَّهِ) . وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) : {لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . وَذَكَرَ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) فِي الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَقَوْلَهُ: {فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا إلَى الْإِسْلَامِ فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ؛ فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَدَعْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ} . ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْآيَتَيْنِ نَاسِخَةً لِلْأُخْرَى، وَلَا وَاحِدٌ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ نَاسِخًا لِلْآخَرِ، وَلَا مُخَالِفًا لَهُ. وَلَكِنَّ إحْدَى الْآيَتَيْنِ وَالْحَدِيثَيْنِ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي مَخْرَجُهُ عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، وَمِنْ الْجُمَلِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا الْمُفَسِّرُ. فَأَمْرُ اللَّهِ (تَعَالَى) : بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا؛ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَمْرُهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ]؛ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَفَرْضُ اللَّهِ: قِتَالَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.