فهرس الكتاب

الصفحة 808 من 879

وهي حقيقة دائمة ينتقل السياق القرآني إليها من تلك الواقعة العارضة. فيربط بين الحادث المفرد والحقيقة الكلية، في مجال حي من الواقع؛ ولا ينعزل بالحقائق المجردة في الذهن. فالحقائق المجردة الباردة لا تؤثر في المشاعر، ولا تستجيش القلوب للاستجابة. وهذا فرق ما بين منهج القرآن في خطاب القلوب، ومنهج الفلاسفة والدارسين والباحثين!

وبهذا المثل الموحي تنتهي قصة بني النضير. وقد ضمت في ثناياها وفي أعقابها هذا الحشد من الصور والحقائق والتوجيهات. واتصلت أحداثها المحلية الواقعة بالحقائق الكبرى المجردة الدائمة. وكانت رحلة في عالم الواقع وفي عالم الضمير، تمتد إلى أبعد من حدود الحادث ذاته، وتفترق روايتها في كتاب الله عن روايتها في كتب البشر بمقدار ما بين صنع الله وصنع البشر من فوارق لا تقاس!!

وقال ابن العربي:

الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قوله تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَاسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} . فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الْمُرَادِ بِهَا، فَقِيلَ: إنَّهُمْ الْيَهُودُ، وَقِيلَ: هُمْ الْمُنَافِقُونَ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْآيَاتِ مُبْتَدَأَةٌ بِذِكْرِهِمْ قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} إلَى قَوْلِهِ: {الظَّالِمِينَ} . وَعَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْيَهُودَ بِالنَّصْرِ، وَضَمِنَ لَهُمْ أَنَّ بَقَاءَهُ بِبَقَائِهِمْ وَخُرُوجَهُ بِخُرُوجِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَلَا وَفَّى بِهِ، بَلْ أَسْلَمَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ، فَكَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اُكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْك إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} فَغَرَّ أَوَّلًا، وَكَذَبَ آخِرًا. الثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِينَ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ وَاحِدَةً عَلَى مُعَادَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ تَكُنْ لِإِحْدَاهُمَا فِئَةٌ تُخَالِفُ الْأُخْرَى فِي ذَلِكَ. وَالشَّتَّى: هِيَ الْمُتَفَرِّقَةُ قَالَ الشَّاعِرُ: إلَى اللَّهِ أَشْكُو نِيَّةً شَقَّتْ الْعَصَا هِيَ الْيَوْمُ شَتَّى وَهِيَ بِالْأَمْسِ جُمَّعُ

وفي البحر المحيط:

الثَّانِي: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْكَذِبَ الْخَبَرُ الْمُخَالِفُ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا،

خِلَافًا لِأَبِي الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيِّ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ بِالْمَسَائِلِ النَّحْوِيَّةِ"، وَلِابْنِ قُتَيْبَةَ، حَيْثُ خَصَّا الْكَذِبَ بِمَا مَضَى، وَأَمَّا الْمُسْتَقْبَلُ فَيُقَالُ لَهُ: خُلْفٌ، وَلَا يُقَالُ لَهُ: كَذِبٌ. لَنَا قوله تعالى حِكَايَةٌ عَنْ الَّذِينَ نَافَقُوا: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} وَكَذِبُهُمْ فِي خَبَرِهِمْ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَلَوْ تَرَى إذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: {أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ يَشْكُوا حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَذَبْتَ لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ} ، وَفِي جَانِبِ الصِّدْقِ قَوْلُهُ عليه السلام {أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ} فَاسْتَعْمَلَ الصِّدْقَ فِي الْخَبَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، فَالْحَقُّ أَنَّهُ يُوصَفُ بِهِمَا مَاضِيًا وَمُسْتَقْبَلًا، لَكِنْ لَهُ وَصْفٌ خَاصٌّ، وَهُوَ الْخُلْفُ وَالْوَفَاءُ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ يُفْهِمُ أَنَّ الْكَذِبَ يَخْتَصُّ بِالْمَاضِي إذْ قَالَ: لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت