، مَعَ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ تَدُلُّ عَلَى عَزْمِهِ بِالرِّضَا بِذَلِكَ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَزْمَ لَا يَسْتَمِرُّ، بَلْ يَنْفَسِخُ، وَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَانَ تَرْكُهَا أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِهَا، وَأَنَّهَا مُسْتَدْرَكَةٌ، كَمَا اسْتَدْرَكَتْ دَعْوَى سَمْنُونٍ، وَرُوَيْمٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ بَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَتِلْكَ فَرْقًا عَظِيمًا، فَإِنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ مَضْمُونُهَا أَنَّ مَنْ سَأَلَ الْجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ مِنْ النَّارِ لَا يَكُونُ رَاضِيًا. وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ: أَنَا إذْ أَفْعَلُ كَذَا كُنْت رَاضِيًا، وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ: لَا يَكُونُ رَاضِيًا إلَّا مَنْ لَا يَطْلُبُ خَيْرًا، وَلَا يَهْرُبُ مِنْ شَرٍّ. وَبِهَذَا وَغَيْرِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا سُلَيْمَانَ كَانَ أَجَلَّ مِنْ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا سُلَيْمَانَ مِنْ أَجِلَّاءِ الْمَشَايِخِ وَسَادَاتِهِمْ، وَمِنْ أَتْبَعِهِمْ لِلشَّرِيعَةِ، حَتَّى إنَّهُ قَالَ:"إنَّهُ لَيَمُرُّ بِقَلْبِيِّ النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ فَلَا أَقْبَلُهَا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ"، فَمَنْ لَا يَقْبَلُ نُكَتَ قَلْبِهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ؟ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَيْضًا: لَيْسَ لِمَنْ أُلْهِمَ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ أَنْ يَفْعَلَهُ حَتَّى يَسْمَعَ فِيهِ بِأَثَرٍ، فَإِذَا سَمِعَ فِيهِ بِأَثَرٍ كَانَ نُورًا عَلَى نُورٍ، بَلْ صَاحِبُهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيُّ كَانَ مِنْ أَتْبَعْ الْمَشَايِخِ لِلسُّنَّةِ، فَكَيْفَ أَبُو سُلَيْمَانَ.
قال تعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا (84) النساء
قال القرطبي رحمه الله:
الآية: 84 {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا}
قوله تعالى:"فقاتل في سبيل الله"هذه الفاء متعلقة بقوله"ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما" [النساء: 74] "فقاتل في سبيل الله"أي من أجل هذا فقاتل. وقيل: هي متعلقة بقوله:"وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله. فقاتل". كأن هذا المعنى: لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك؛ لأنه وعده بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمن له النصرة. قال ابن عطية:"هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه"