كَانَ الْمُتَوَلِّي عَنْ طَاعَتِهِمَا مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى قَتَادَةُ أَنَّهُمْ هَوَازِنُ وَثَقِيفٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ قِيلَ لَهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي لَهُمْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لِأَنَّهُ قَالَ:
{فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا} وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ غَيْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. رضي الله عنهما
سُورَةُ الْفَتْحِ [فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ] الْآيَةُ الْأُولَى قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ} قِيلَ: هُمْ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُمْ خَمْسُ قَبَائِلَ: جُهَيْنَةَ، وَمُزَيْنَةَ، وَأَشْجَعَ، وَغَفَّارَ، وَأَسْلَمَ: {سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ} وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَعْيِينِهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ. الثَّانِي أَنَّهُمْ بَنُو حَنِيفَةَ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ. الثَّالِثُ أَنَّهُمْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ يَوْمَ حُنَيْنٍ؛ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ بِالْيَمَامَةِ لَا بِفَارِسَ وَلَا بِالرُّومِ وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لِأَنَّ الَّذِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِتَالُ حَتَّى يُسْلِمَ مِنْ غَيْرِ قَبُولِ جِزْيَةٍ هُمْ الْعَرَبُ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ وَالْمُرْتَدُّونَ. فَأَمَّا فَارِسُ وَالرُّومُ فَلَا يُقَاتَلُونَ حَتَّى يُسْلِمُوا؛ بَلْ إنْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ قُبِلَتْ مِنْهُمْ، وَجَاءَتْ الْآيَةُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِخْبَارًا بِالْغَيْبِ الْآتِي، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَدَلَّتْ عَلَى إمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ لِأَنَّ الدَّاعِي لَهُمْ كَانَ أَبَا بَكْرٍ فِي قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ اسْتَخْلَفَ عُمَرُ، وَعُمَرُ كَانَ الدَّاعِي لَهُمْ إلَى قِتَالِ فَارِسَ وَالرُّومِ، وَخَرَجَ عَلِيُّ تَحْتِ لِوَائِهِ [وَأَخَذَ سَهْمَهُ مِنْ غَنِيمَتِهِ وَاسْتَوْلَدَ حَنِيفَةُ الْحَنَفِيَّةِ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا] ، وَلَوْ كَانَتْ إمَامَةٌ بَاطِلَةً وَغَنِيمَةٌ حَرَامًا لَمَا جَازَ عِنْدَهُمْ وَطْءٌ عَلِيٍّ لَهَا؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ مَعْصُومٌ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ.
وفي منهاج السنة النبوية:
فصل قال الرافضي وأما قوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب سورة الفتح فإنه أراد الذين تخلفوا عن الحديبية والتمس هؤلاء أن يخرجوا إلى غنيمة خيبر فمنعهم الله تعالى بقوله قل لن تتبعونا سورة الفتح لأنه تعالى جعل غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ثم قال تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد سورة الفتح وقد دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوات كثيرة