فهرس الكتاب

الصفحة 860 من 879

مُنْصَرِفٌ عَنْهَا. وَالْعَدُوُّ مُسْتَيْقِظٌ، وَلِأَنَّهُمْ مُشْتَاقُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً. وَلَا يَعْدِلُ شَيْءٌ عِنْدَ أَحْمَدَ الْخُرُوجُ فِي السَّرِيَّةِ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ، لِأَنَّهُ أَنْكَى لِلْعَدُوِّ.

وفي شرح النيل:

وَمِنْ أَحْزَمِ مَكَائِدِ الْحَرْبِ إفْشَاءُ الْغَلَبَةِ وَإِظْهَارُ السُّرُورِ وَالِاحْتِرَاسُ مِنْ الْعَدُوِّ وَأَنْ لَا يُحْوِجُ هَارِبًا إلَى قِتَالٍ وَلَا يُضَيِّقُ أَمَانًا عَلَى مُسْتَامِنٍ؛

قَالَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ: كَثْرَةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ اللِّقَاءِ فَشَلٌ غُضُّوا الْأَصْوَاتَ وَأَخْفُوا الْحِسَّ وَادَّرَعُوا اللَّيْلَ فَإِنَّهُ أَخْفَى لِلْوَيْلِ، اللَّيْلُ يَكْفِيكَ الْجَبَانَ وَيَصِفُ الشُّجْعَانَ، اللَّيْلُ الْمَدَدُ الْأَعْظَمُ وَالْحَازِمُ يَحْذَرُ عَدُوَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، الْمَرَاتِبُ إنْ قَرُبَ الْمُغِيرُ أَنْ يُعَدَّ وَالْكَمِينُ إنْ انْكَشَفَ، مَنْ اغْتَرَّ لِقُوَّتِهِ فَقَدْ وَهَنَ، وَلَيْسَ مِنْ الْقُوَّةِ التَّوَرُّطُ فِي الْهُوَّةِ، وَلْيَكُنْ أَشَدُّ مَا كُنْتَ حَذِرًا مَا كُنْتَ عِنْدَ نَفْسِكَ أَكْثَرَ قُوَّةً وَعَدَدًا، مَنْ اسْتَضْعَفَ عَدُوَّهُ عَثَرَهُ، وَمَنْ عَثَرَ ظَفِرَ بِهِ عَدُوُّهُ، وَأَشْعِرُوا قُلُوبَكُمْ فِي الْحَرْبِ الْجُرْأَةَ فَإِنَّهَا سَبَبُ الظَّفَرِ، وَاذْكُرُوا الظَّعَائِنَ فَإِنَّهَا تَبْعَثُ عَلَى الْإِقْدَامِ، وَالْتَزِمُوا الطَّاعَةَ فَإِنَّهَا حِصْنُ الْمُحَارِبِ، إذَا وَقَعَ اللِّقَاءُ نَزَلَ الْقَضَاءُ، وَإِذَا لَقِيَ السَّيْفُ السَّيْفَ زَالَ الْحَيَاءُ، رُبَّ مَكِيدَةٍ أَبْلَغُ مِنْ نَجْدَةٍ، وَرُبَّ كَلِمَةٍ هَزَمَتْ عَسْكَرًا، الصَّبْرُ سَيْفُ الظَّفَرِ مَعَ الصَّبْرِ، اجْعَلْ قِتَالَ عَدُوِّكَ آخِرَ حِيلَتِكَ، النَّصْرُ مَعَ التَّدْبِيرِ، لَا ظَفَرَ مَعَ بَغْيٍ، لَا تَقْتَرِنْ بِالْأَقْوَاءِ لِفَضْلِ قُوَّتِكَ عَلَى الضُّعَفَاءِ، لَا تَجْبُنُوا عِنْدَ اللِّقَاءِ وَتُمَثِّلُوا عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَلَا تُسْرِفُوا عِنْدَ الظُّهُورِ، وَلَا تَغُلُّوا عِنْدَ الْغَنَائِمِ، وَنَزِّهُوا الْجِيَادَ عَنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، وَأَصْلُ الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا فِي ثَبَاتِ الْقَلْبِ، وَمِنْهَا تُسْتَمَدُّ جَمِيعُ الْفَضَائِلِ، وَهُوَ الثُّبُوتُ عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْعَدْلُ وَالْعِلْمُ، وَالْجُبْنُ غَرِيزَةٌ يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالشَّجَاعَةُ حَالَةٌ بَيْنَ الْجُبْنِ وَالتَّهَوُّرِ. وَسُئِلَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ الشَّجَاعَةِ فَقَالَ: صَبْرُ سَاعَةٍ، وَسُئِلَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: هِيَ الصَّبْرُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَارَّ مِنْ الْقِتَالِ طَرِيدَةٌ مِنْ طَرَائِدِ الْمَوْتِ، وَاسْتِقْبَالُ الْمَوْتِ خَيْرٌ مِنْ اسْتِدْبَارِهِ، وَرُبَّ حَيَاةٍ سَبَبُهَا التَّعَرُّضُ لِلْآفَاتِ وَوَفَاةٍ سَبَبُهَا طَلَبُ الْحَيَاةِ، وَمَنْ حَرَصَ عَلَى الْمَوْتِ فِي الْجِهَادِ وُهِبَتْ لَهُ الْحَيَاةُ، وَقَالُوا: الْهَزِيمَةُ شَفْرَةٌ مِنْ شِفَارِ الْمَوْتِ، وَالْفَارُّ يُمَكِّنُ [مِنْ] نَفْسِهِ، وَالْمُقَاتِلُ يَدْفَعُ عَنْهَا، وَثَمَرَةُ الشَّجَاعَةِ الْأَمْنُ مِنْ الْعَدُوِّ، وَمَنْ قُتِلَ مُدْبِرًا مِنْ الْحَرْبِ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ مُقْبِلًا، وَقَالُوا: تَاخِيرُ الْأَجَلِ حِصْنُ الْمُحَارِبِ، قِيلَ لِبَعْضٍ: فِي أَيِّ جُثَّةٍ تُحِبُّ أَنْ تَلْقَى عَدُوَّكَ؟ قَالَ: فِي أَجَلٍ مُتَأَخِّرٍ، وَقِيلَ لِآخَرَ: فِي أَيِّ سِلَاحٍ تَشْتَهِي أَنْ تُقَاتِلَ عَدُوَّكَ؟ قَالَ: فِي أَجَلٍ مُتَأَخِّرٍ عَنِّي، وَانْقِضَاءِ مُدَّةٍ مِنْهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ: إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ كَانَتْ الْهَلَكَةُ فِي الْحَيَاةِ وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ كَرِيهَةٍ تُدْفَعُ أَوْ مَكْرُمَةٍ تُكْسَبُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِالشَّجَاعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إذَا هَمَمْتَ بِبَذْلِ شَيْءٍ مِنْ مَالِكَ حَارَ طَبْعُكَ وَوَهَنَ قَلْبُكَ وَعَجَزَتْ نَفْسُكَ بِشُحِّهَا بِهِ، وَإِذَا حَقَّقْتَ عَزْمَكَ وَقَوَّيْتَ نَفْسَكَ وَقَهَرْتَ عَجْزَكَ أَعْطَيْتَ مَا ضَنَنْتَ بِهِ مِنْ مَالِكَ، وَعَلَى قَدْرِ قُوَّةِ الْقَلْبِ وَضَعْفِهِ تَطِيبُ بِإِخْرَاجِهِ وَتَكْرَهُ إخْرَاجَهُ، وَعَلَى هَذَا النَّمَطِ جَمِيعُ الْفَضَائِلِ مَتَى لَمْ تُقَارِنْهَا قُوَّةُ النَّفْسِ لَمْ تَتَحَقَّقْ، وَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم: {الشَّجَاعَةُ وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهَا اللَّهُ فِيمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} "، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت