فهرس الكتاب

الصفحة 861 من 879

يُصَابِرُ امْتِثَالَ الْأَوَامِرِ، وَبِقُوَّةِ الطِّبِّ يَنْتَهِي عَنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَالتَّلْطِيخِ بِالرَّذَائِلِ. قَالَ الشَّاعِرُ: جَمَعَ الشَّجَاعَةَ وَالْخُضُوعَ لِرَبِّهِ مَا أَحْسَنَ الْمِحْرَابَ فِي الْمِحْرَابِ وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ يَصْبِرُ الْجَلِيسُ عَلَى أَذَى الْجَلِيسِ، وَجَفَاءِ الصَّاحِبِ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ تُتَلَقَّى الْكَلِمَةُ الْعَوْرَاءُ مِمَّنْ جَفَا، وَالْكَلِمَةُ الْمُؤْذِيَةُ مِمَّنْ صَدَرَتْ مِنْهُ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ تُكْتَمُ الْأَسْرَارُ وَيُدْفَعُ الْعَارُ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ تُقْتَحَمُ الْأُمُورُ الصِّعَابُ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ تُتَحَمَّلُ أَثْقَالُ الْمَكَارِمِ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ يُصْبَرُ عَلَى أَخْلَاقِ الرِّجَالِ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ تَحْصُلُ كُلُّ عَزِيمَةٍ وَرَوِيَّةٍ أَوْجَبَهَا الْحَزْمُ وَالْعَدْلُ وَالْعَقْلُ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ يَضْحَكُ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِ الرِّجَالِ، وَقُلُوبُهَا مَشْحُونَةٌ بِالضَّغَائِنِ وَالْأَحْقَادِ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: إنَّا لَنُكَشِّرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إنَّا لَنُصَافِحُ أَكُفًّا نَرَى قَطْعَهَا، وَالصَّبْرُ وَالشَّجَاعَةُ أَنْ تَصْبِرَ عَلَى أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَعَلَى سَمَاعِ الْحُقُوقِ مِمَّنْ أَلْقَاهَا إلَيْكَ غَالِبًا لِهَوَاكَ مَالِكًا لِشَهَوَاتِكَ مُلْتَزِمًا لِلْفَضَائِلِ بِجَهْدِكَ، عَامِلًا فِي ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي لَا يَصْرِفُكَ عَنْهَا بَقَاءٌ وَلَا مَوْتٌ حَتَّى تَكُونَ عِنْدَ مَوْتِكَ عَلَى الْخَيْرِ الَّذِي أَشَارَ بِهِ الْعِلْمُ وَأَوْجَبَهُ الْعَدْلُ، خَيْرٌ مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ رَفْضُ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: مَا يُبَالِي أَبُوكَ لَوْ أَنَّ الْخَلْقَ خَالَفُوهُ إذَا كَانَ عَلَى الْحَقِّ، وَهَلْ الْخَيْرُ كُلُّهُ إلَّا لِلْحَقِّ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُبْنَ مَقْتَلَةٌ، وَالْحِرْصَ مَحْرَمَةٌ، وَالْعَجْزَ ذُلٌّ، وَالْجُبْنَ ضَعْفٌ، وَالْجَبَانَ يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ يَفِرُّ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، وَالشُّجَاعَ يَحْمِي مَنْ لَا يُنَاسِبُهُ وَيَقِي مَالَ الْجَارِ وَالرَّفِيقِ بِنَفْسِهِ، وَالْجَبَانَ يَخَافُ مَا لَا يُحِسُّ بِهِ، وَالْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ، وَقَالُوا: الشَّجَاعَةُ عِنْدَ اللِّقَاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: رَجُلٌ إذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَتَقَارَبَ الزَّحْفَانِ وَاكْتَحَلَتْ الْأَحْدَاقُ بِالْأَحْدَاقِ، بَرَزَ مِنْ الصَّفِّ إلَى الْوَسَطِ يَحْمِلُ وَيَكُرُّ وَيُنَادِي: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ، وَالثَّانِي إذَا تَنَاشَبَ الْقَوْمُ وَصَارُوا جَرْحَى مُخْتَلِطِينَ وَلَمْ يَرَ وَاحِدٌ مِنْ أَيْنَ يَاتِيهِ الْمَوْتُ يَكُونُ رَابِطَ الْجَاشِ سَاكِنَ الْقَلْبِ حَاضِرَ اللُّبِّ، لَمْ يُخَامِرْهُ الدَّهْشُ وَلَا خَالَطَتْهُ الْحَيْرَةُ، فَيَتَقَلَّبُ تَقَلُّبَ الْقَائِمِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَالِكِ لِأَمْرِهِ؛ وَالثَّالِثُ إذَا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ يَلْزَمُ السَّاقَةَ وَيَضْرِبُ فِي وُجُوهِ الْعَدُوِّ وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ وَيُرَجِّي الضُّعَفَاءَ وَيُقَوِّي قُلُوبَهُمْ وَيَمُدُّهُمْ بِالْكَلَامِ الْجَمِيلِ وَيُشَجِّعُ نُفُوسَهُمْ مِمَّنْ وَقَعَ أَمَامَهُ، وَمَنْ وَقَفَ حَمْلُهُ، وَمَنْ وَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ كُشِفَ عَنْهُ حَتَّى يَيْأَسَ الْعَدُوُّ مِنْهُ، وَهَذَا أَحْمَدُهُمْ فِي الشَّجَاعَةِ. وَقَالَ: لِكُلِّ أَحَدٍ يَوْمَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا، أَحَدُهُمَا: لَا يُعَجَّلُ عَنْهُ، وَالثَّانِي: لَا يُقَصَّرُ عَنْهُ، فَمَا لِلْجُبْنِ وَالْفِرَارِ؛ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَقِيَ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبَ فَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو أَيُّ السِّلَاحِ أَفْضَلُ فِي الْحَرْبِ؟ قَالَ: عَنْ أَيُّهَا تَسْأَلُ؟ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي السِّهَامِ؟ قَالَ: تُصِيبُ وَتُخْطِئُ، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي الرُّمْحِ؟ قَالَ: أَخُوكَ وَرُبَّمَا خَانَكَ، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي التُّرْسِ؟ قَالَ: هُوَ الدَّائِرَةُ وَعَلَيْهِ تَدُورُ الدَّوَائِرُ، قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي السَّيْفِ؟ قَالَ: ذَاكَ ذَاكَ لَا عِرَاكَ وَقَالُوا: السَّيْفُ ظِلُّ الْمَوْتِ، وَالسَّيْفُ لُعَابُ الْمَنِيَّةِ، وَالرُّمْحُ رَشَأُ الْمَنِيَّةِ، وَالسِّهَامُ رُسُلٌ لَا تُؤَامِرُ مَنْ أَرْسَلَهَا، وَالرُّمْحُ أَخُوكَ وَرُبَّمَا خَانَكَ، وَالدِّرْعُ مُشْغِلَةٌ لِلرَّاجِلِ مُتْعِبَةٌ لِلْفَارِسِ وَإِنَّهَا الْحِصْنُ الْحَصِينِ وَالتُّرْسُ مِجَنٌّ وَعَلَيْهِ تَدُورُ الدَّوَائِرُ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ، وَوَصَفَ الْمُجَاهِدِينَ فَقَالَ: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} وَنَدَبَ إلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت