فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 879

يغلبوا مائتين"لفظ خبر، ضمنه وعد بشرط، لأن معناه إن يصبر منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين. وعشرون وثلاثون وأربعون كل واحد منها اسم موضوع على صورة الجمع لهذا العدد. ويجري هذا الاسم مجرى فلسطين. فإن قال قائل: لم كسر أول عشرين وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى الثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين كما كسر اثنان. والدليل على هذا قولهم: ستون وتسعون، كما قيل: ستة وتسعة. وروى أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت"إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين"فشق ذلك على المسلمين، حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم إنه جاء التخفيف فقال:"ألآن خفف الله عنكم"قرأ أبو توبة إلى قوله:"مائة صابرة يغلبوا مائتين". قال: فلما خفف الله تعالى عنهم من العدد نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. وقال ابن العربي: قال قوم إن هذا كان يوم بدر ونسخ. وهذا خطأ من قائله. ولم ينقل قط أن المشركين صافوا المسلمين عليها، ولكن الباري جل وعز فرض ذلك عليهم أولا، وعلق ذلك بأنكم تفقهون ما تقاتلون عليه، وهو الثواب. وهم لا يعلمون ما يقاتلون عليه."

قلت: وحديث ابن عباس يدل على أن ذلك فرض. ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين، فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين، فهو على هذا القول تخفيف لا نسخ. وهذا حسن. وقد ذكر القاضي ابن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه، أو غير عدده فجائز أن يقال إنه نسخ، لأنه حينئذ ليس بالأول، بل هو غيره. وذكر في ذلك خلافا.

وقال ابن كثير:

** يَأَيّهَا النّبِيّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يَأَيّهَا النّبِيّ حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّئَةٌ يَغْلِبُوَا أَلْفًا مّنَ الّذِينَ كَفَرُوا بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَفْقَهُونَ * الاَنَ خَفّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوَا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ

يحرض تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه حسبهم أي كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قل عدد المؤمنين. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا سفيان عن ابن شوذب عن الشعبي في قوله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} قال حسبك الله، وحسب من شهد معك، قال: وروي عن عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد مثله، ولهذا قال: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} أي حثهم أو مرهم عليه، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض على القتال، عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عَدَدَهم وعُدَدِهم: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» فقال عمير بن الحمام: عرضهاالسموات والأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نعم» ، فقال: بخ بخ فقال: «ما يحملك على قولك بخ بخ؟» قال: رجاء أن أكون من أهلها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت