فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 879

الْعَدْلُ، وَهُوَ كَوْنُ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ؛ إذْ الظُّلْمُ حَرَامٌ وَأَمَّا اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ فَهُوَ إلَى الْمُسْتَحِقِّ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} أَيْ لَا يَقْتُلُ غَيْرَ قَاتِلِهِ. وَأَمَّا إذَا طَلَبَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَتْ الْأُخْرَى: نَحْنُ نَاخُذُ حَقَّنَا بِأَيْدِينَا فِي هَذَا الْوَقْتِ. فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ الْمُوجِبَةِ عُقُوبَةَ هَذَا الْقَاتِلِ الظَّالِمِ الْفَاجِرِ، وَإِذَا امْتَنَعُوا عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَهُمْ شَوْكَةٌ وَجَبَ عَلَى الْأَمِيرِ قِتَالُهُمْ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَوْكَةٌ: عَرَفَ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَلْزَمَ بِالْعَدْلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَنَا عَلَيْهِمْ حُقُوقٌ مِنْ سِنِينَ مُتَقَادِمَةٍ. فَيُقَالُ لَهُمْ نَحْنُ نَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِي الْحُقُوقِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ، فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَاتِي عَلَى هَذَا. وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ أَحَدًا مِنْ بَعْدِ الِاصْطِلَاحِ، أَوْ بَعْدَ الْمُعَاهَدَةِ وَالْمُعَاقَدَةِ: فَهَذَا يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ، حَتَّى قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: بَلْ قَتْلُهُ قِصَاصٌ، وَالْخِيَارُ فِيهِ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ. وَإِنْ كَانَ الْبَاغِي طَائِفَةً فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَفُّ صَنِيعِهِمْ إلَّا بِقِتَالِهِمْ قُوتِلُوا، وَإِنْ أَمْكَنَ بِمَا دُونَ ذَلِكَ عُوقِبُوا بِمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، قَالَ: {يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ} وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ، فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: الْمُعْتَدِي هُوَ الْقَاتِلُ بَعْدَ الْعَفْوِ، فَهَذَا يُقْتَلُ حَتْمًا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُعَذَّبُ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِاعْتِدَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وفي السياسة الشرعية:

وَمَنْ آوَى مُحَارِبًا، أَوْ سَارِقًا، أَوْ قَاتِلًا وَنَحْوَهُمْ، مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَمَنَعَهُ مِمَّنْ يَسْتَوْفِي مِنْهُ الْوَاجِبَ بِلَا عُدْوَانٍ، فَهُوَ شَرِيكُهُ فِي الْجُرْمِ.

وَلَقَدْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا} وَإِذَا ظُفِرَ بِهَذَا الَّذِي آوَى الْمُحْدِثَ فَإِنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ إحْضَارُهُ، أَوْ الْإِعْلَامُ بِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ، عُوقِبَ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يُمَكِّنَ مِنْ ذَلِكَ الْمُحْدِثِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَاءِ الْمَالِ الْوَاجِبِ، فَمَا وَجَبَ حُضُورُهُ مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، يُعَاقَبُ مَنْ مَنَعَ حُضُورَهَا: وَلَوْ كَانَ رَجُلًا يَعْرِفُ مَكَانَ الْمَالِ الْمَطْلُوبِ بِحَقٍّ، أَوْ الرَّجُلَ الْمَطْلُوبَ بِحَقٍّ، وَهُوَ الَّذِي يَمْنَعُهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ كِتْمَانُهُ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَذَلِكَ وَاجِبٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ النَّفْسُ أَوْ الْمَالُ مَطْلُوبًا بِبَاطِلٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِعْلَامُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، بَلْ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ نَصْرَ الْمَظْلُومِ وَاجِبٌ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا. فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ، فَذَلِكَ نَصْرُكَ إيَّاهُ} وَرَوَى مُسْلِمٌ نَحْوَهُ عَنْ جَابِرٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: أَمَرَنَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت