رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ: وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَإِجَابَةِ الدَّعْوَى، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ الشُّرْبِ بِالْفِضَّةِ، وَعَنْ الْمَيَاثِرِ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالْقَسِّيِّ وَالدِّيبَاجِ وَالْإِسْتَبْرَقِ. فَإِنْ امْتَنَعَ هَذَا الْعَالِمُ بِهِ مِنْ الْإِعْلَامِ بِمَكَانِهِ، جَازَتْ عُقُوبَتُهُ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ، حَتَّى يُخْبِرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ حَقٍّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ. فَعُوقِبَ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي مَا تَتَوَلَّاهُ الْوُلَاةُ وَالْقُضَاةُ وَغَيْرُهُمْ، فِي كُلِّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ وَاجِبٍ، مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلَيْسَ هَذَا مُطَالَبَةً لِلرَّجُلِ بِحَقٍّ وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا عُقُوبَةً عَلَى جِنَايَةِ غَيْرِهِ، حَتَّى يَدْخُلَ فِي قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ} وَإِنَّمَا ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يُطْلَبَ بِمَالٍ قَدْ وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ لَيْسَ وَكِيلًا وَلَا لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ، أَوْ يُعَاقَبَ الرَّجُلُ بِجَرِيمَةِ قَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَذْنَبَ، لَا بِتَرْكِ وَاجِبٍ، وَلَا بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، فَهَذَا الَّذِي لَا يَحِلُّ، فَأَمَّا هَذَا فَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَنْبِ نَفْسِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مَكَانَ الظَّالِمِ، الَّذِي يُطْلَبُ حُضُورُهُ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، أَوْ يَعْلَمُ مَكَانَ الْمَالِ الَّذِي قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حُقُوقُ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَيَمْتَنِعُ مِنْ الْإِعَانَةِ وَالنُّصْرَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، إمَّا مُحَابَاةً وَحَمِيَّةً لِذَلِكَ الظَّالِمِ، كَمَا قَدْ يَفْعَلُ أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَإِمَّا مُعَادَاةً أَوْ بُغْضًا لِلْمَظْلُومِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} . وَإِمَّا إعْرَاضًا عَنْ الْقِيَامِ لِلَّهِ بِالْقِسْطِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ، وَجُبْنًا وَفَشَلًا وَخِذْلَانًا لِدِينِهِ، كَمَا يَفْعَلُ التَّارِكُونَ لِنَصْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَدِينِهِ وَكِتَابِهِ، الَّذِينَ إذَا قِيلَ لَهُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلُوا إلَى الْأَرْضِ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهَذَا الضَّرْبُ، يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَسْلُكْ هَذِهِ السُّبُلَ، عَطَّلَ الْحُدُودَ وَضَيَّعَ الْحُقُوقَ، وَأَكَلَ الْقَوِيَّ وَالضَّعِيفَ. وَهُوَ يُشْبِهُ مَنْ عِنْدَهُ مَالُ الظَّالِمِ الْمُمَاطِلِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ، وَقَدْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ لِحَاكِمٍ عَادِلٍ، يُوفِي بِهِ دَيْنَهُ، أَوْ يُؤَدِّي مِنْهُ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ لِأَهْلِهِ أَوْ أَقَارِبِهِ أَوْ مَمَالِيكِهِ أَوْ بَهَائِمِهِ. وَكَثِيرًا مَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ حَقٌّ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بِسَبَبِ حَاجَةِ قَرِيبِهِ، وَكَمَا تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ، وَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ التَّعْزِيرِ عُقُوبَةٌ لِمَنْ عُلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَالًا أَوْ نَفْسًا يَجِبُ إحْضَارُهُ، وَهُوَ لَا يُحْضِرُهُ كَالْقُطَّاعِ وَالسُّرَّاقِ وَحُمَاتِهِمْ أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ خَبِيرٌ بِهِ، وَهُوَ لَا يُخْبِرُ بِمَكَانِهِ فَأَمَّا إنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِخْبَارِ وَالْإِحْضَارِ؛ لِئَلَّا يَتَعَدَّى عَلَيْهِ الطَّالِبُ أَوْ يَظْلِمَهُ، فَهَذَا مُحْسِنٌ، وَكَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَيَجْتَمِعُ شَبَهُهُ وَشَهْوَتُهُ. وَالْوَاجِبُ تَمْيِيزُ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي الرُّؤَسَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ، إذَا اسْتَجَارَ بِهِمْ مُسْتَجِيرٌ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ صَدَاقَةٌ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ الْحَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَالْعِزَّةَ بِالْإِثْمِ، وَالسُّمْعَةَ عِنْدَ الْأَوْبَاشِ أَنَّهُمْ يَنْصُرُونَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا مُبْطِلًا عَلَى الْمُحِقِّ الْمَظْلُومِ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَظْلُومُ رَئِيسًا يُنَادِيهِمْ وَيُنَاوِئُهُمْ فَيَرَوْنَ فِي تَسْلِيمِ الْمُسْتَجِيرِ بِهِمْ إلَى مَا يُنَاوِئُهُمْ ذُلًّا أَوْ عَجْزًا، وَهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ جَاهِلِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وَهُمْ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ فَسَادِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ سَبَبَ حُرُوبٍ مِنْ حُرُوبِ الْأَعْرَابِ كَحَرْبِ الْبَسُوسِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَتَغْلِبَ إلَى نَحْوِ هَذَا، وَكَذَا