وَاَللَّهِ أُقْتَلُ، وَهِيَ تَضْحَكُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها: وَيْحِك إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَا يَقْتُلُ النِّسَاءَ، قَالَتْ: نَعَمْ وَإِنَّمَا قَتَلْت زَوْجِي حِينَ أَمَرَنِي فَدَلَّيْت الرَّحَى عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَتَلْته، ثُمَّ أُخْرِجَتْ فَقُتِلَتْ
2749 - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: {لَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، بِخَيْبَرَ أَهْدَتْ إلَيْهِ زَيْنَبُ بِنْتُ أَخِ مَرْحَبٍ شَاةً مَصْلِيَّةً فَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَخَذَ الذِّرَاعَ وَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ لَتُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ ثُمَّ دَعَا زَيْنَبَ وَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت؟ فَقَالَتْ: نِلْت مِنْ قَوْمِي مَا نِلْت، قَتَلْت أَبِي وَعَمِّي وَزَوْجِي فَقُلْت إنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَتُخْبِرُهُ الشَّاةُ بِمَا صَنَعْت، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِمَّا أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم} .
2750 - أَهْلُ الْمَغَازِي يَخْتَلِقُونَ فِيهِ، فَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَات أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، قَتَلَهَا، وَأَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ عَفَا عَنْهَا، كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ رحمه الله وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَبَعْدَ مَا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، بِخَيْبَرَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهَا نَقْضًا لِلْعَهْدِ وَلَا مُحَارَبَةً مَعَ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا لَمْ يَقْتُلْهَا قِصَاصًا بِبِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ بِالسُّمِّ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ مَنْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الدِّيَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا يُوجِبُهُ عِنْدَ الِاتِّحَادِ، فَإِذَا تَنَاوَلَهُ بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَاوَلَهُ دِيَةُ وَلَا قِصَاصٌ، وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ أَكَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قِصَاصًا وَلَا دِيَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ أَرْبَعِينَ: قوله تعالى {: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي مُقَدَّمَةٍ لَهَا: إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِالْبَيَانِ وَالْحُجَّةِ، وَأَوْعَزَ إلَى عِبَادِهِ عَلَى لِسَانِهِ بِالْمُعْجِزَةِ وَالتَّذْكِرَةِ، وَفَسَّحَ لَهُمْ فِي الْمَهْلِ، وَأَرْخَى لَهُمْ فِي الطِّيَلِ مَا شَاءَ مِنْ الْمُدَّةِ بِمَا اقْتَضَتْهُ الْمَقَادِيرُ الَّتِي أَنْفَذهَا، وَاسْتَمَرَّتْ بِهِ الْحِكْمَةُ، وَالْكُفَّارُ يُقَابِلُونَهُ بِالْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ، وَيَتَعَمَّدُونَهُ وَأَصْحَابَهُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْإِذَايَةِ، وَالْبَارِئُ سُبْحَانَهُ يَامُرُ نَبِيَّهُ عليه السلام وَأَصْحَابَهُ بِاحْتِمَالِ الْأَذَى وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَيَامُرُهُمْ بِالْإِعْرَاضِ تَارَةً وَبِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ أُخْرَى، حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، إلَى أَنْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ فِي الْقِتَالِ. فَقِيلَ: إنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَاتَلَ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ أُذِنَ لِلَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَعْتَقِدُونَ قِتَالَهُمْ وَقَتْلَهُمْ بِأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ الْقِرَاءَتَيْنِ، ثُمَّ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ فَرْضًا، فَقَالَ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} . ثُمَّ أَمَرَ بِقِتَالِ الْكُلِّ، فَقَالَ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} الْآيَةَ، وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ. وَالصَّحِيحُ مَا رَتَّبْنَاهُ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْإِذْنِ فِي الْقِتَالِ مَكِّيَّةٌ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ مُتَأَخِّرَةٌ.