فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 879

وفي المبسوط:

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ {: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمُحَرَّمِ لِمُسْتَهَلِّ الشَّهْرِ وَأَقَامَ عَلَيْهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَفَتَحَهَا يَعْنِي الطَّائِفَ فِي صَفَرٍ}

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَاسَ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَإِنَّ الْمُحَاصَرَةَ مِنْ الْقِتَالِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى الطَّائِفِ فَفِعْلُهُ بَيَانُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ حُرْمَةِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ قَدْ انْتَسَخَ، وَكَانَ الْكَلْبِيُّ رحمه الله يَقُولُ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ وَلَسْنَا نَاخُذُ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ بَلْ بِمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ رحمه الله قَالَ: النَّهْيُ عَنْ الْقَنَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مَنْسُوخٌ نَسَخَهُ قوله تعالى {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ سُورَةَ بَرَاءَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ فَانْتَسَخَ بِهِ مَا كَانَ مِنْ الْحُكْمِ فِي قوله تعالى {يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} الْآيَةُ. (فَإِنْ قِيلَ) كَيْفَ يَسْتَقِيمُ دَعْوَى النَّسْخِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} الْآيَةُ. (قُلْنَا) : الْمُرَادُ بِهِ مُضِيُّ مُدَّةِ الْأَمَانِ الَّذِي كَانَ لَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} وَوَافَقَ مُضِيُّ ذَلِكَ انْسِلَاخَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى نَسْخِ حُرْمَةِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ قوله تعالى {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} إلَى قَوْلِهِ {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} قِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْكُمْ بَلْ قَاتِلُوهُمْ كَافَّةً لِتَنْكَسِرَ شَوْكَتُهُمْ وَتَكُونَ النُّصْرَةُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ وَفِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي الْأَصْلِ عَنْ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه عَمَّنْ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ قَالَ {: شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عَانَةٌ فَاقْتُلُوهُ وَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَانَةٌ فَخَلُّوا عَنْهُ فَكُنْت مِمَّنْ لَا عَانَةَ لَهُ فَخُلِّيَ عَنِّي} قُلْت: وَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ عَانَةٌ فَالْعَانَةُ فِي اللُّغَةِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مَنْ نَبَتَ الشَّعْرُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهُ وَجُعِلَ اسْمُ الْمَوْضِعِ كِنَايَةً عَنْهُ وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مَالِكٌ رحمه الله تعالى فَإِنَّهُ يَجْعَلُ نَبَاتَ الشَّعْرِ دَلِيلَ الْبُلُوغِ وَلَسْنَا نَقُولُ بِهِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِ فَنَبَاتُ الشَّعْرِ فِي الْهُنُودِ يُسْرِعُ وَفِي الْأَتْرَاكِ يُبْطِئُ. وَتَاوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَرَفَ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّ نَبَاتَ الشَّعْرِ فِي أُولَئِكَ الْقَوْمِ يَكُونُ عِنْدَ الْبُلُوغِ أَوْ أَرَادَ تَنْفِيذَ حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رضي الله عنه فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ حُكْمِهِ بِأَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى لِعِلْمِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ فِيهِمْ.

وقال ابن العربي:

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} : فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ الْمَعْلُومَةُ: رَجَبٌ الْفَرْدُ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ. الثَّانِي: أَنَّهَا شَوَّالٌ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ إلَى آخِرِ الْمُحَرَّمِ. الثَّالِثُ: أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ. الرَّابِعُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت