(فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى - بعضكم من بعض - فالذين هاجروا، وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقتلوا، لأكفرن عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار. . ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب. . لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد. لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، نزلا من عند الله. وما عند الله خير للأبرار) . .
وهي استجابة مفصلة، وتعبير مطول، يتناسق مع السمة الفنية للتعبير القرآني؛ وفق مقتضى الحال، ومتطلبات الموقف، من الجانب النفسي والشعوري.
ثم نخلص لمحتويات هذه الاستجابة الإلهية، ودلالتها على طبيعة هذا المنهج الإلهي ومقوماته، ثم على طبيعة منهج التربية الإسلامية وخصائصه. .
إن أولي الألباب هؤلاء، تفكروا في خلق السماوات والأرض، وتدبروا اختلاف الليل والنهار، وتلقوا من كتاب الكون المفتوح، واستجابت فطرتهم لإيحاء الحق المستكن فيه، فاتجهوا إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع الواجف الطويل العميق. . ثم تلقوا الاستجابة من ربهم الكريم الرحيم، على دعائهم المخلص الودود. . فماذا كانت الاستجابة؟
لقد كانت قبولا للدعاء، وتوجيها إلى مقومات هذا المنهج الإلهي وتكاليفه في آن:
(فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم. . من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض) . .
إنه ليس مجرد التفكر ومجرد التدبر. وليس مجرد الخشوع والارتجاف. وليس مجرد الاتجاه إلى الله لتكفير السيئات والنجاة من الخزي ومن النار. .
إنما هو"العمل". العمل الإيجابي، الذي ينشأ عن هذا التلقي، وعن هذه الاستجابة، وعن هذه الحساسية الممثلة في هذه الارتجافة. العمل الذي يعتبره الإسلام عبادة كعبادة التفكر والتدبر، والذكر والاستغفار، والخوف من الله، والتوجه إليه بالرجاء. بل العمل الذي يعتبره الإسلام الثمرة الواقعية المرجوة لهذه العبادة، والذي يقبل من الجميع: ذكرانا وإناثا بلا تفرقة ناشئة من اختلاف الجنس. فكلهم سواء في الإنسانية - بعضهم من بعض - وكلهم سواء في الميزان. .
ثم تفصيل للعمل، تتبين منه تكاليف هذه العقيدة في النفس والمال؛ كما تتبين منه طبيعة المنهج، وطبيعة الأرض التي يقوم عليها، وطبيعة الطريق وما فيه من عوائق وأشواك، وضرورة مغالبة العوائق، وتكسيرالأشواك، وتمهيد التربة للنبتة الطيبة، والتمكين لها في الأرض، أيا كانت التضحيات، وأيا كانت العقبات:
(فالذين هاجروا، وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا. لأكفرن عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار. ثوابا من عند الله، والله عنده حسن الثواب) .