يتردّدون، وهم البغضاء إلى الله وأعداؤه ويقولون مع ذلك: نحن أبناء الله وأحباؤه، فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأييد الخلود، وقد فعل وله الحمد في جميع الوجود.
وفي نهاية الدرس يصل السياق إلى الموقف الأخير لبني إسرائيل مع رسولهم ومنقذهم - موسى عليه السلام - على أبواب الأرض المقدسة التي وعدهم الله؛ وموقفهم كذلك من ميثاق ربهم معهم؛؛ وكيف نقضوه؛ وكيف كان جزاؤهم على نقض الميثاق الوثيق.
وإذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا؛ وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين. يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين. قالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين؛ وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون؛ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين. قالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون. قال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. . قال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين.
إنها حلقة من قصة بني إسرائيل التي فصلها القرآن أوسع تفصيل. . ذلك لحكمة متشعبة الجوانب. .
من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها. فقد كانوا حربا على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول. هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في المدينة؛ وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا. وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة. وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم؛ كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة وحول القيادة. وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة. فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة، لتعرف من هم أعداؤها. ما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم؟
ولقد علم الله أنهم هم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله؛ كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله. فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا؛ ووسائلهم كلها مكشوفة.
ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير. وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة من التاريخ طويلة؛ ووقعت الانحرافات في عقيدتهم؛ ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق الله معهم؛ ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف، كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم. .