قوله تعالى:"وكلا وعد الله الحسنى"أي المتقدمون المتناهون السابقون، والمتأخرون اللاحقون، وعدهم الله جميعا الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ ابن عامر"وكل"بالرفع، وكذلك هو بالرفع في مصاحف أهل الشام. الباقون"وكلا"بالنصب على ما في مصافحهم، فمن نصب فعلى إيقاع الفعل عليه أي وعد الله كلا الحسنى. ومن رفع فلأن المفعول إذا تقدم ضعف عمل الفعل، والهاء محذوفة من وعده.
قوله تعالى:"من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا"ندب إلى الإنفاق في سبيل الله. وقد مضى في"البقرة"القول فيه. والعرب تقول لكل من فعل فعلا حسنا: قد أقرض، كما قال:
وإذا جوزيت قرضا فاجزه ... إنما يجزي الفتى ليس الجمل
وسمي قرضا، لأن القرض أخرج لاسترداد البدل. أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدل الله بالأضعاف الكثيرة. قال الكلبي:"قرضا"أي صدقة"حسنا"أي محتسبا من قلبه بلا من ولا أذى."فيضاعفه له"ما بين السبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف. وقيل: القرض الحسن هو أن يقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر، رواه سفيان عن أبي حيان. وقال زيد بن أسلم: هو النفقة على الأهل. الحسن: التطوع بالعبادات. وقيل: إنه عمل الخير، والعرب تقول: لي عند فلان قرض صدق وقرض سوء. القشيري: والقرض الحسن أن يكون المتصدق صادق النية طيب النفس، يبتغي به وجه الله دون الرياء والسمعة، وأن يكون من الحلال. ومن القرض الحسن ألا يقصد إلى الرديء فيخرجه، لقوله تعالى:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون" [البقرة: 267] وأن يتصدق في حال يأمل الحياة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة فقال: (أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا) وأن يخفي صدقته، لقوله تعالى:"وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم" [البقرة: 271] وألا يمن، لقوله تعالى:"لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى" [البقرة: 264] وأن يستحقر كثير ما يعطي، لأن الدنيا كلها قليلة، وأن يكون من أحب أموال، لقوله تعالى:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" [آل عمران: 92] وأن يكون كثيرا، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الرقاب أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها) ."فيضاعفه له"وقرأ ابن كثير وابن عامر"فيضعفه"بإسقاط الألف إلا ابن عامر ويعقوب نصبوا الفاء. وقرأ نافع وأهل الكوفة والبصرة"فيضاعفه"بالألف وتخفيف العين إلا أن عاصما نصب الفاء. ورفع الباقون عطفا على"يقرض". وبالنصب جوابا على الاستفهام. وقد مضى في"البقرة"القول في هذا مستوفى."وله أجر كريم"يعني الجنة.
ولما أمرهم أولًا بالإيمان والإنفاق ثم حثهم على الإيمان وبين أنه قد أزال عنهم موانعه حثهم أيضًا على الإنفاق فقال: {ومالكم ألا تنفقوا في سبيل الله و لله ميراث السموات والأرض؟} أي أنفقوا ولا تخشوا