فهرس الكتاب

الصفحة 809 من 879

وَضَعَّفَ سُؤَالَ مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: غَدًا أُعْطِيكَ دِرْهَمًا، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ كَاذِبًا، وَالْكَذِبُ حَرَامٌ، فَكَيْفَ لَا يُوجِبُونَ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ؟ فَقَالَ: وَالْحَالَةُ هَذِهِ آيَةٌ أَنَّهُ حَاكِمٌ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَلَا كَذِبَ فِيهِ، وَالْوَعْدُ إنْشَاءٌ لَا خَبَرٌ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى مَنْ لَمْ يَفِ بِالْوَعْدِ مُخْلِفًا لَا كَاذِبًا، وَلِهَذَا قَالَ عليه السلام فِي حَقِّ الْمُنَافِقِ: {إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ} ، فَسَمَّاهُ مُخْلِفًا، لَا كَاذِبًا، وَلَوْ كَانَ الْإِخْلَافُ كَذِبًا دَخَلَ تَحْتَ عُمُومِ {إذَا حَدَّثَ كَذَبَ} . وَقَدْ يُقَالُ: إذَا لَمْ يَدْخُلْهُ الْكَذِبُ، لَا يَكُونُ خَبَرًا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ مَا يُفِيدُ الْكَذِبَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَبَرَ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا تَقُولُ: سَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ، وَيَصِحُّ فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَالْوَعْدُ إنْشَاءٌ لَا خَبَرٌ.

وفي شرح الكوكب المنير:

(فَصْلٌ) : (الْخَبَرُ إنْ طَابَقَ) مَا فِي الْخَارِجِ (فَ) هُوَ (صِدْقٌ وَإِلَّا)

أَيْ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ الْوَاقِعَ فِي الْخَارِجِ (فَ) هُوَ (كَذِبٌ) وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ مَعَ الصِّدْقِ، أَوْ عَدَمِهَا مَعَ الْكَذِبِ. وَبَيْنَ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ شَيْئًا أَوْ يَعْتَقِدَ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ مَعَ وُجُودِهَا، أَوْ يَعْتَقِدَ وُجُودَهَا مَعَ عَدَمِهَا. وَإِذَنْ فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ. وَقَالَ الْجَاحِظُ: الْمُطَابِقُ مَعَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ صِدْقٌ، وَغَيْرُ الْمُطَابِقِ مَعَ اعْتِقَادِ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ كَذِبٌ. وَغَيْرُهُمَا وَاسِطَةٌ، لَا صِدْقٌ، وَلَا كَذِبٌ. فَيَدْخُلُ فِي الْوَاسِطَةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فَتَصِيرُ الْأَقْسَامُ عِنْدَهُ سِتَّةٌ: صِدْقٌ وَكَذِبٌ وَوَاسِطَةٌ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إمَّا مُطَابِقٌ أَوْ غَيْرُ مُطَابِقٍ. فَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لَا. وَالثَّانِي: إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ أَنْ لَا مُطَابَقَةَ أَوْ لَا. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ أَنْ لَا مُطَابَقَةَ أَوْ لَا. وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لَا. وَاسْتُدِلَّ لِقَوْلِ الْجَاحِظِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} وَالْمُرَادُ الْحَصْرُ فِي الِافْتِرَاءِ وَالْجُنُونِ، ضَرُورَةَ عَدَمِ اعْتِرَافِهِمْ بِصِدْقِهِ. فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ كَلَامُ مَجْنُونٍ لَا يَكُونُ صِدْقًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ صِدْقَهُ وَلَا كَذِبَهُ؛ لِأَنَّهُ قَسِيمُ الْكَذِبِ عَلَى مَا زَعَمُوهُ. فَثَبَتَتْ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ لَمْ يَفْتَرِ. فَيَكُونَ مَجْنُونًا؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا افْتِرَاءَ لَهُ لِعَدَمِ قَصْدِهِ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِنَحْوِ قَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما فِي حَدِيثِ {إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ} : مَا كَذَبَ، وَلَكِنْ وَهِمَ"وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا كَذَبَ عَمْدًا، بَلْ وَهِمَ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: الْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْحَصْرُ فِي كَوْنِهِ خَبَرًا كَذِبًا، أَوْ لَيْسَ بِخَبَرٍ لِجُنُونِهِ. فَلَا عِبْرَةَ بِكَلَامِهِ. وَأَمَّا الْمَدْحُ وَالذَّمُّ فَيَتْبَعَانِ الْقَصْدَ وَيَرْجِعَانِ إلَى الْمُخْبِرِ، لَا إلَى الْخَبَرِ. وَمَعْلُومٌ عِنْدَ الْأُمَّةِ صِدْقُ الْمُكَذِّبِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ"مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِهِ، وَكَذِبُهُ فِي نَفْيِ الرِّسَالَةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ. وَكَثُرَ فِي السُّنَّةِ تَكْذِيبُ مَنْ أَخْبَرَ - يَعْتَقِدُ الْمُطَابَقَةَ - فَلَمْ يَكُنْ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ} انْتَهَى. وَقِيلَ: إنْ اعْتَقَدَ الْمُخْبِرُ الْمُطَابَقَةَ وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا اعْتَقَدَ، فَصِدْقٌ وَإِلَّا فَكَذِبٌ، سَوَاءٌ كَانَ مُطَابِقًا أَوْ لَمْ يَكُنْ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى {إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} كَذَّبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِمْ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمْ مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِ. وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ أَكْذَبَهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ الصَّادِقَةَ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمُطَابَقَةِ مُعْتَقِدًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْكَاذِبُونَ فِي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت