ولعل هنالك لفتة أخرى من لفتات المنهج الفريد. فعبد الله بن أبي كان إلى ذلك الحين ما يزال عظيما في قومه - كما أسلفنا - وقد ورم أنفه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه - لأن إقرار مبدأ الشورى وإنفاذه اقتضى الأخذ بالرأي الآخر الذي بدا رجحان الاتجاه إليه في الجماعة - وقد أحدث تصرف هذا المنافق الكبير رجة في الصف المسلم، وبلبلة في الأفكار، كما أحدثت أقاويله بعد ذلك عن القتلى حسرات في القلوب وبلبلة في الخواطر. .
فكان من حكمة المنهج إظهار الاستهانة به وبفعلته وبقوله؛ وعدم تصدير الاستعراض القرآني لأحداث الغزوة بذلك الحادث الذي وقع في أولها؛ وتأخيره إلى هذا الموضع المتأخر من السياق. مع وصف الفئة التي قامت به بوصفها الصحيح:"الذين نافقوا"والتعجيب من أمرهم في هذه الصيغة المجملة:
(ألم تر إلى الذين نافقوا؟) ، وعدم إبراز اسم كبيرهم أو شخصه، ليبقى نكره في:"الذين نافقوا"كما يستحق من يفعل فعلته، وكما تساوي حقيقته في ميزان الإيمان. .
ميزان الإيمان الذي أقامه فيما سبق من السياق. .