فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 879

فهم لم يكتفوا بالتخلف - والمعركة على الأبواب - وما يحدثه هذا التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس، وبخاصة أن عبد الله بن أبي، كان ما يزال سيدا في قومه، ولم يكشف لهم نفاقه بعد، ولم يدمغه الله بهذا الوصف الذي يهز مقامه في نفوس المسلمين منهم. بل راحوا يثيرون الزلزلة والحسرة في قلوب أهل الشهداء وأصحابهم بعد المعركة، وهم يقولون:

(لو أطاعونا ما قتلوا) . .

فيجعلون من تخلفهم حكمة ومصلحة، ويجعلون من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه مغرما ومضرة. وأكثر من هذا كله يفسدون التصور الإسلامي الناصع لقدر الله، ولحتمية الأجل، ولحقيقة الموت والحياة، وتعلقهما بقدر الله وحده. .

ومن ثم يبادرهم بالرد الحاسم الناصع، الذي يرد كيدهم من ناحية، ويصحح التصور الإسلامي ويجلو عنه الغبش من ناحية:

(قل: فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) . .

فالموت يصيب المجاهد والقاعد، والشجاع والجبان. ولا يرده حرص ولا حذر. ولا يؤجله جبن ولا قعود. .

والواقع هو البرهان الذي لا يقبل المراء. .

وهذا الوقاع هو الذي يجبههم به القرآن الكريم، فيرد كيدهم اللئيم، ويقر الحق في نصابه، ويثبت قلوب المسلمين. ويسكب عليها الطمأنينة والراحة واليقين. .

ومما يلفت النظر في الاستعراض القرآني لأحداث المعركة، تأخيره ذكر هذا الحادث - حادث نكول عبد الله ابن أبي ومن معه عن المعركة - وقد وقع في أول أحداثها وقبل ابتدائها. .

تأخيره إلى هذا الموضع من السياق. .

وهذا التأخير يحمل سمة من سمات منهج التربية القرآنية. .

فقد آخره حتى يقرر جملة القواعد الأساسية للتصور الإسلامي التي قررها؛ وحتى يقر في الأخلاد جملة المشاعر الصحيحة التي أقرها؛ وحتى يضع تلك الموازين الصادقة للقيم التي وضعها. .

ثم يشير هذه الإشارة إلى"الذين نافقوا". وفعلتهم وتصرفهم بعدها، وقد تهيأت النفوس لإدراك ما في هذه الفعلة وما في هذا التصرف من انحراف عن التصور الصحيح، وعن القيم الصحيحة في الميزان الصحيح. .

وهكذا ينبغي أن تنشأ التصورات والقيم الإيمانية في النفس المسلمة، وأن توضع لها الموازين الصحيحة التي تعود إليها لاختبار التصورات والقيم، ووزن الأعمال والأشخاص، ثم تعرض عليها الأعمال والأشخاص - بعد ذلك - فتحكم عليها الحكم المستنير الصحيح، بذلك الحس الإيماني الصحيح. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت