فَصْلٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ (وَ غُسْلُهُ مَرَّةً، أَوْ يُمِّمَ لِعُذْرٍ) مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ عَجْزٍ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ لِخَوْفِ نَحْوِ تَقَطُّعٍ أَوْ تَهَرٍّ (فَرْضُ كِفَايَةٍ)
إجْمَاعًا عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ" {اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ} "مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَوْ أَوْصَى بِإِسْقَاطِهِ لَمْ يَسْقُطْ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ (وَيَنْتَقِلُ) ثَوَابُ غُسْلِهِ (إلَى ثَوَابِ فَرْضِ عَيْنٍ، مَعَ جَنَابَةِ) مَيِّتٍ (أَوْ حَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ وَنَحْوِهِ كَانَ بِهِ، لِأَنَّ الْغُسْلَ تَعَيَّنَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَاَلَّذِي يَتَوَلَّى غُسْلَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ فَيَكُونُ ثَوَابُهُ كَثَوَابِهِ، هَكَذَا حَمَلَ الْمُصَنَّفُ قَوْلَ التَّنْقِيحِ: وَيُعَيَّنُ مَعَ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ: عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى تَعْيِينِ غُسْلِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ، بِهِ، لِسُقُوطِهِ بِوَاحِدٍ (وَيَسْقُطَانِ) أَيْ غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ (بِهِ) أَيْ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ (سِوَى شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ) وَهُوَ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِ قِتَالِ كُفَّارٍ وَقْتَ قِيَامِ قِتَالٍ، فَلَا يُغَسَّلُ لقوله تعالى:" {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} "وَالْحَيُّ لَا يُغَسَّلُ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم فِي قَتْلَى أُحُدٍ" {لَا تُغَسِّلُوهُمْ فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ، أَوْ كُلَّ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ} "رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ خَاصٌّ بِهِمْ، وَسُمِّيَ شَهِيدًا لِأَنَّهُ حَيٌّ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، أَوْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ حَتَّى قُتِلَ وَنَحْوِهِ مِمَّا قِيلَ فِيهِ. (وَ) سِوَى (مَقْتُولٍ ظُلْمًا) كَمَنْ قَتَلَهُ نَحْوُ لِصٍّ أَوْ أُرِيدَ مِنْهُ الْكُفْرُ، فَقُتِلَ دُونَهُ، أَوْ أُرِيدَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ فَقَاتَلَ دُونَ ذَلِكَ فَقُتِلَ لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا" {مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَلِأَنَّهُمْ مَقْتُولُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَشْبَهُوا قَتْلَى الْكُفَّارِ فَلَا يُغَسَّلُونَ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْمَبْطُونِ وَالْمَطْعُونِ وَالْغَرِيقِ وَنَحْوِهِمْ (وَلَوْ) كَانَ شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ وَمَقْتُولٌ ظُلْمًا (أُنْثَيَيْنِ أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفَيْنِ) كَصَغِيرَيْنِ، لِلْعُمُومَاتِ (فَيُكْرَهُ) تَغْسِيلُ شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ وَمَقْتُولٍ ظُلْمًا. وَقِيلَ: يَحْرُمُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَلَا يُوَضَّآنِ، حَيْثُ لَا يُغَسَّلَانِ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْوُضُوءُ قَبْلُ (وَيُغَسَّلَانِ) أَيْ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ وَالْمَقْتُولُ ظُلْمًا وُجُوبًا (مَعَ وُجُوبِ غُسْلٍ عَلَيْهِمَا قَبْلَ مَوْتٍ بِجَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ إسْلَامٍ) لِأَنَّ الْغُسْلَ وَجَبَ لِغَيْرِ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ كَغُسْلِ النَّجَاسَةِ (كَغَيْرِهِمَا) مِمَّنْ لَمْ يَمُتْ شَهِيدًا."
وفي الفواكه الدواني:
(وَ) مِمَّا يَجِبُ الْجَزْمُ بِحَقِيقَتِهِ (أَنَّ) أَجْسَامَ (الشُّهَدَاءِ) جَمْعُ شَهِيدٍ وَهُمْ الَّذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ (أَحْيَاءٌ) حَقِيقَةً (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أَيْ فِي جَنَّةِ رَبِّهِمْ (يُرْزَقُونَ)
مِنْ مُشْتَهَى الْجَنَّاتِ مِثْلُ مَا يُرْزَقُ الْأَحْيَاءُ فِي الدُّنْيَا. قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} نَزَلَتْ فِي قَتْلَى بَدْرٍ لَمَّا قَالَ النَّاسُ فِي حَقِّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: مَاتَ فُلَانٌ وَذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيَا وَلَذَّتُهَا، فَكَرِهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَحُطَّ مَنْزِلَتَهُمْ فَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ الْعَلَّامَةُ